إن المتأمل لآيات الله يجد أن الله عز وجل قد وضع شرطا أساسيا لنصرة المسلمين على أعدائهم، وتمكينهم في الأرض هذا الشرط هو نصرتهم له.

يقول الله عز وجل (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) ويقول (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ )

ولكن على أي شيئ ننصر الله عز وجل

ويقول تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) ويقول (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )

فالله عز وجل يطالبنا بأن ننصره على نفوسنا لنكون أهلا لكي ينصرنا على أعدائنا ويمكن لنا في الأرض.

طبيعة المعركة

إن المعركة بين العبد ونفسه هي أكبر وأعنف معركة في الوجود, وعلى ضوء نتيجتها يتحدد مصير الإنسان في الدنيا والآخرة.

و لكي نفهم طبيعة هذه المعركة لابد لنا من التعرف على القلب وعلى النفس وعلى الهوى.

القلب

القلب هو مجموعة المشاعر والأحاسيس والوجدانات في الإنسان من حب وبغض وفرح وحزن وطمأنينة وسكينة وجزع وخشوع ورجاء وهلع ورغبة ورهبة ورحمة وعطف وشفقة وحسرة وندم و.....

فالقلب كينونة الإنسان وهو الملك المطاع وغيره تابع له من عقل ونفس وجوارح فجميعها جنود له يأتمرون بأوامره وينتهون بنواهيه.

والقلب هو المكلف من قبل الله بأن يخضع مشاعره وأحاسيسه له, فيجعل حبه لله ولا يبغض إلا لله ولا يفرح إلا بفضل الله, ولا يحزن إلا من تقصيره في جنب الله ولا يخشع إلا له, ولا يتوكل إلا عليه, ولا يتحاكم إلا إليه, ولا يتخاصم إلا به, وبقدر إخضاع المشاعر لله تكون العبودية له, فأكمل الناس عبودية من كانت مشاعره كلها لله.

وللقلب بصيرة يبصر بها إذا تعهدها العبد وصقلها بصورة مستمرة أبصر بها طريقه إلى الله ، أما إذا تركها بدون تعهد فمصيرها الطمس بدخان المعاصي، فعمى القلوب ما هو إلا نتيجة للمعاصي المتراكمة والمستمرة والتي لم يحاول صاحبها لأو يغسلها بالتوبة النصوح.

النفس

خلق الله لكل عبد من عباده نفس أمارة بالسوء ليختبر مدى عبوديته له, وجعل من أهم صفاتها الجهل والشح والظلم, فهي تميل إلى الشر, وتفر من الخير ولا تحب المشقة ولذلك فهي تكره أي تكليف.

تحب أن تأخذ حظها من كل فعل يفعله العبد, وأسمى حظ للنفس شعورها بالعلو والرفعةعمن حولها, لذلك فهي تعمل على إخضاع القلب وتجنيد مشاعره لخدمة حظوظها, ويقف الشيطان من خلفها مستغلا جهلها وشحها فيزين لها الأفعال التي تستوفي بها حظوظها الظاهرة والخفية, فتلح على القلب ليأمر الجوارح بتنفيذ ما تريده وتهواه, ولأنها محبوبة وما تدعو إليه محبوب يذعن القلي البعيد عن الله لها, فلا يحب العبد شيئا إلا لنفسه, ولا يخاصم إلا إنتصاراً لها, ولا يعادي إلا من يعاديها.

الهوى

الهوى كما يعرفه العلماء هو ما تميل إليه النفس، وكل نفس لم يروضها صاحبها بالمجاهدة, تهوى الراحة والشهوات, سواء كانت حسية من الطعام والشراب وجمع المال أو معنوية من حب الرفعة ورؤية الناس لها في مواطن الحمد.

خطورة إتباع الهوى

لو لبى الإنسان كل ما تطلبه نفسه وهواها, لسار بها إلى الهلاك لا محالة, فلن يقيم فريضة لأن نفسه تكره التكليف, فإن كان في قلبه بقية من إيمان وأقام الفريضة فإن نفسه لا تترك عمله يصعد خالصاً إلى الله دون أن تأخذ نصيبها منه, فتجعله إما يرائي به, أو يتكبر به على غيره.

جنود القلب

لم يترك الله عز وجل القلب وحده في الميدان يواجه النفس وهواها ومن خلفها الشيطان بل أمده بالجند الناصحين, ومن أهم جنود القلب هو العقل. فالعقل هو محل العلم, وهو يمثل سمع القلب, وعلى قدر علم الإنسان النافع تكون قوة سمع قلبه.

وكما أن الله عز وجل جعل لكل عبد شيطاناً يزين له فعل المحظورات, وجعل له أيضا ملكا يذكره بالخيرات.

القلب بين الطاعة والمعصية

عندما يهم القلب بأداء طاعة معينة يقوم الملك الموكل به تزيينها له, ويقوم العقل بحسب درجة العلم فيه بالترغيب في أدائها, وعندما يجد الشيطان أن القلب عازم على أداء هذه الطاعة فإنه يبدأ في الوسوسة للنفس لتلح على القلب لتختلق له المعاذير ليمتنع عن أداء الطاعة.

فإن جاهد العبد نفسه وهواه وعزم على أدائها ورأى الشيطان منه ذلك فإنه لا يتركه, بل يوسوس للنفس لتستوفي حظوظها من هذه الطاعة فقد تزين له أداءها أمام الناس ليروه فتكبر صورته في نظرهم فتنتشي النفس وتنتفخ لذلك.

فإن راءى الإنسان بطاعته فإن أثر هذه الطاعة لا يصل إلى شجرة الإيمان في القلب بل يصب إلى شجرة الرياء, فتسقى بهذا الأثر وتنمو أمام مرآن القلب, فإن تكبر بهذه الطاعة نبتت باثرها شجرة الكبر أمام القلب, وإن تفاخر وتباهى نمت بذلك شجرة الغرور, وإن لم يفعل ذلك وأدى الطاعة وهو غافل شارد نمت بذلك شجرة الغفلة, وبمرور الوقت وبنسيان الإنسان تنمو هذه الشجيرات في قلبه وتكون حجبا كثيفة أمام مرآة القلب تمنع وصول الأنوار والإشراقات الربانية إليه فيصير القلب محجوبا عن الله.

فالإيمان ينمو في القلب بإخلاص الطاعة لله وبحسب درجة الإخلاص تكون قوة الإيمان وكلما إزداد الإيمان في القلب تمكن من الرؤية ببصيرته ومن سماع صوت العقل, ومن ثم يتمكن القلب من عبادة الله فيخضع مشاعره له.

حقيقة بيع النفس

فمن أراد الجنة فليبيع نفسه لله, وهذا البيع لن يتم إلا إذا إنتصر على نفسهوساقها إلى الله. فغاية جهاد النفس إمتلاكها ثم بيعها إلى الله والدليل على صدق هذا البيع المسارعة في التضحية بها في شبيل مرضاته كما قال تعالى (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )

وخلاصة القول أنه لا صلاح لأمة إلا بصلاح الفرد, ولا صلاح للفرد إلا بإصلاح النفس. فهذا هو شرط النصر.

ويقول صلى الله عليه وسلم ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني )

ــــــــــــــــــــــــ

د. مجدي الهلالي

اخر المواضيع المضافة

خذ قسطا من الفرح كل يوم

عدد الزيارات:99

التاريخ : 02-06-2019

المرء مع من أحب

عدد الزيارات:98

التاريخ : 29-05-2019

يستمعون القرآن

عدد الزيارات:99

التاريخ : 28-05-2019

سبيل الظفر

عدد الزيارات:81

التاريخ : 27-05-2019

بين سيرتين "موسى وعمر"

عدد الزيارات:111

التاريخ : 25-05-2019

العفوُ من شِيَم الكِرام

عدد الزيارات:118

التاريخ : 23-05-2019