إن النفس البشرية مبنية على أنها لا تتحقق من حريتها ولا تنطلق انطلاقتها الخالدة فتتذوق وحدة شعورها إلا إذا استقامت على الطريق الموصل بين نقطتين ألا وهو : صراط الله عز وجل الذي يهتف بطلبه كل مؤمن في كل ركعة صلاة ( اهدنا الصراط المستقيم ) فإن بدء هذا الخط هي نية العبد الخالصة لله عز وجل في أعماله وسيرته في الدنيا ، ونهايته رضا الله عز وجل والجنة في الآخرة .

والإنسان حين يغذ السير في طريق الحرية يتحول من منطقة جواذب الطين المحتبسة بالزمان والمكان إلى فضاء خارج عن التراب وقيوده فيعيش ما تعيشه أعمار ويستروح ويتذوق من أنعم الخلد بالعيش في دائرة التوحيد بعيداً عن منطقة جذب نزوات الطين .

وكأن هذه المنطقة الخارجة عن جذب الأرض هي بمثابة نافذة في دنيا الإيمان إلى الجنة ينساب إليه منها ما يستروح ويتنسم .

وهذه حالة إيمانية تنسي المؤمن زمانه ومكانه وهو فيهما – قائم بالتكاليف وتعلو به علو أهل السماء من الملأ الأعلى .

ولا غرابة فهذه حالة من الربانية تفد على الإنسان لاتصاله في لحظات من الشعور الذي يفيضه الإيمان وتدفعه التقوى كلية وكأنها ليست من الدنيا في شيء بل هي من عالم تنكشف له منه عوالم الغيب ( لو دمتم على ما أنتم لصافحتكم الملائكة ) .

أو هي من الأزلية ، فلو طلب دينه لحظتها منه كل ماله لجاد به غير بخل لو طلبت منه نفسه فداء لدينه لبذلها راضياً .

فالتدين الفردي والجماعي هما مسار الحرية الإنسانية الحقة .

فهما يفضيان بصاحبهما إلى أجواء من خلوص العبودية لله ذي الخلق والأمر في جميع شئون الحياة كما يفضي مسار المطار بالطائرة إلى أجواء فسيحة أو يفضي جناحا النسر بالنسر إلى طبقات الجو الواسعة والتي إنما خلق لعمرانها فهو لا يكون حراً طليقاً إلا بجنا حية وريشة .

وما منح الله عز وجل الإنسان جناحي التدين الفردي والتدين الجماعي إلا ليعمر بهما أجواء الحياة بل والوجود كله المتصل بالله جلت قدرته والمطلة على النفوس .

فهما اللذان يفيضان به إلى بارئه عبدا خالصا وإلى الخلق حراً خالصاً فهو لا يظفر بالحرية إلا بدعامتيها ولا يحلق إلا بجناحيها وبدو نهما فلا يفوز بها بل بتركهما يصير عبدا للعبيد قطعا كيف لا والله يقول : فماذا بعد الحق إلا الضلال .

إن الحرية بجناحيها تورث المسلم آفاقاً ربانية فبالحقائق والمعاني تتسع به كما تتسع طبقات الجو لحرية النسر في طيرانه حتى لا يستشعر الإنسان الحر بقيود الوجود ، فلا يمنعه من اتساع نطاق التحليق إلا مدى قدرته التي أخذها فكأن نهاية قدرته هي نهاية حريته : ( وكل ميسر لما خلق له ) (وإنما أنا قاسم والله عز وجل يعطي ) فهو يستشفع بالإنفكاك من كل قيد وغل ، ويستشعر برحابة الكون الذي تمتد فيه حياته أطوارا بعضها أرحب من بعض من عالم الأرحام إلى عالم الدنيا الواسع ، إلى عالم البرزخ الوسيع ، إلا عالم الآخرة الأوسع والأمد ومن عالم الشهادة إلى عالم الغيب ، من عوالم الألفاظ إلى عوالم المعاني والأسرار من عالم الصور والأشكال المرتبطة بالزمان والمكان إلى عوالم الحقائق ، وكل هذه الرحابة يفيض بها بحر التدين بشقيه حرية على هذا الإنسان وهو يتقلب في حياته الخالصة لله عز وجل في طور الدنيا .

إن الطائر المهاجر المغترب عن وطنه لا يمكنه العودة إليه إلا بوسيلة الطيران في الأجواء المترامية والطيران لا يتأتى له إلا بجناحين صحيحين ذوي بأس ، والإنسان المغترب في الدنيا عن وطنه الصحيح في الآخرة ومنزله الفسيح الجنة الواقعة فوق السماوات العلى تحت عرش الرحمن لا تمكنه العودة إليه إلا بجناحي الحرية : التدين الفردي والتدين الجماعي .

وهذا هو الطريق الوحيد الذي انتهجه النبي صلى الله عليه وسلم لنيل الحرية ولتأسيس صرح الحياة عليها لاسيما الحياة الجماعية التي تقوم برعايتها الدولة لأن فضيلة الحرية تعتبر إحدى دعائم الحكم في الإسلام وإحدى مرعياته في الأفراد والمجتمع والدولة .

ومتى أسقطت الحرية من قاموس الدولة عدت أمتها قطعاناً من الأغنام ترعاها ذئابها أو هي أمة متهمة عليها جلادها .

ولذا فقد رعت دولة النبوة في الأفراد والمجتمع والدولة حرية القول السديد والرأي العاقل ، وكفلت سائر الحريات في مختلف شئون الحياة الفردية والجماعية .

ـــــــــــــــــــــــ

ياسين عبد العزيز

اخر المواضيع المضافة

خذ قسطا من الفرح كل يوم

عدد الزيارات:99

التاريخ : 02-06-2019

المرء مع من أحب

عدد الزيارات:98

التاريخ : 29-05-2019

يستمعون القرآن

عدد الزيارات:99

التاريخ : 28-05-2019

سبيل الظفر

عدد الزيارات:81

التاريخ : 27-05-2019

بين سيرتين "موسى وعمر"

عدد الزيارات:111

التاريخ : 25-05-2019

العفوُ من شِيَم الكِرام

عدد الزيارات:117

التاريخ : 23-05-2019