سيد عبدالحليم

ما أحوجَ الأمَّة - خاصة في هذا الظَّرف الحرج الذي يمرُّ به العالَم المعاصر، ويمرُّ به العالَم الإسلامي بصفةٍ خاصَّة - إلى تفعيلِ مبدأ الوسطية في قطاعات حياتِها الفكرية والمجتمعية والاقتصادية والسياسية كافَّة، وليس في الجانبِ الفكري فقط؛ فالوسطيةُ منهجٌ فكري، وفي الوقتِ نفسِه منهجٌ واقعي يمكن تطبيقُه وتفعيله في قطاعاتِ الحياة المختلفة، ومعلومٌ أنَّ الإسلامَ دينٌ وسطي في عقيدتِه، وفي عبادتِه، وفي معاملاتِه، وفي تصوراتِه للكون وللحياة؛ لأنَّه دينٌ حضاري جاء لنفعِ البشرية كلِّها وحملها على الطَّريق السَّوي، ولا نريدُ أن نطيلَ كثيرًا في التَّأكيد على وسطيةِ الإسلام، فالأدلةُ والبراهين ما أكثرَها! ولكنْ نريد أن نقفَ وقفةً متأنِّيةً مع هذه الآية: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143].

يقول الأستاذ سيد قطب: "إنها للأمَّة الوسط بكلِّ معاني الوسط، سواء من الوساطة بمعنى الحسن والفضْل، أو من الوسط بمعنى الاعتدالِ والقَصْد، أو من الوسط بمعناه المادي الحسي... (أمَّةً وسطًا) في التصوُّر والاعتقاد، لا تغلو في التجرُّد الرُّوحي ولا في الارتكاسِ المادي، إنَّما تتبع الفطرةَ الممثلة في روحٍ متلبس بجسد، أو جسد تتلبس به روح، وتعطي لهذا الكيان المزدوج الطَّاقاتِ حقَّه المتكامِل من كلِّ زادٍ، وتعمل لترقيةِ الحياة ورفعها في الوقت الذي تعملُ فيه على حفظِ الحياة وامتدادها... (أمَّةً وسطًا) في التَّفكير والشُّعور، لا تجمد على ما علمتْ وتغلقُ منافذَ التَّجرِبة والمعرفة، ولا تتبع كذلك كلَّ ناعقٍ، إنَّما تستمسِكُ بما لديها من تصوُّراتٍ ومناهجَ وأصول، ثُمَّ تنظر في كلِّ نِتاجٍ للفكرِ والتَّجريب، وشعارها الدَّائم: الحقيقةُ ضالَّة المؤمن أنى وجدها أخذها... (أمَّةً وسطًا) في التَّنظيمِ والتنسيق، لا تدع الحياةَ كلَّها للمشاعرِ والضَّمائر، ولا تدعها كذلك للتشريعِ والتأديب، إنَّما ترفعُ ضمائرَ البشر بالتوجيه والتَّهذيب، وتكفلُ نظامَ المجتمع بالتشريع والتأديب، وتزاوجُ بين هذه وتلك... (أمَّةً وسطًا) في الارتِباطات والعَلاقات، لا تلغي شخصيةَ الفرد ومقوماتِه، ولا تلاشي شخصيتَه في شخصيةِ الجماعة أو الدَّولة، ولا تطلقه كذلك فردًا أثرًا جشعًا لا همَّ له إلا ذاته، إنَّما تطلق من الدَّوافع والطَّاقاتِ ما يؤدِّي إلى الحركةِ والنَّماء، وتطلقُ من النَّوازع والخصائص ما يحقِّق شخصيةَ الفرد وكيانه، ثُمَّ تضعُ من الكوابح ما يقف دون الغلوِّ، ومن المنشِّطات ما يثيرُ رغبةَ الفرد في خدمة الجماعة، وتقرِّر من التَّكاليفِ والواجبات ما يجعلُ الفردَ خادمًا للجماعة، والجماعة كافلة للفرد في تناسقٍ واتِّساق... (أمَّةً وسطًا) في المكان في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها... وما تزال هذه الأمَّةُ التي غمر أرضَها الإسلامُ إلى هذه اللَّحظة هي الأمَّة التي تتوسَّط أقطارَ الأرض بين شرقٍ وغرب، وجنوبٍ وشمال، وما تزال بموقعِها هذا تعطي ما عندَها لأهل الأرض قاطبةً، وعن طريقِها تعبر ثمارُ الطَّبيعة وثمارُ الرُّوح والفكر من هنا إلى هناك، وتتحكَّمُ في هذه الحركةِ مادِّيها ومعنويها على السَّواء... (أمَّةً وسطًا) في الَّزمان؛ تنهي عهدَ طفولة البشريَّة من قبلها، وتحرس عهدَ الرُّشد العقلي من بعدها، وتقف في الوسطِ تنفضُ عن البشريةِ ما علق بها من أوهامٍ وخرافات من عهد طفولتِها، وتصدُّها عن الفتنة بالعقل والهوى، وتزوِاجُ بين تراثِها الرُّوحي من عهود الرِّسالات ورصيدِها العقلي المستمرِّ في النَّماء، وتسير بها على الصِّراط السَّوي بين هذا وذاك[1].

فالوسطيةُ منهجٌ رباني وضعه اللهُ - عزَّ وجلَّ - لهذه الأمَّةِ حتَّى تسيرَ عليه وتتبعَه، لتكون قدوةً صالحة للعالم من حولها؛ يهتدي برؤاها ويستفيد من خبراتِها، وإلى جانبِ ذلك فالوسطيةُ مطلبٌ واقعي، ومنهج وقائي يقي الأمةَ من خطر الغُلاة كما يحميها من المنحرفين والمفرطين، فالأمَّةُ تشهد خطرين لا يقلُّ أحدُهما خطورةً عن الآخر، فإذا كان الغلو آفةً تعمل الأمَّةُ على محاربتِها، فإنَّ الانحراف السُّلوكي والتفريط في الثَّوابت والمعتقدات آفةٌ أشدُّ؛ لأنَّه لم يظهر الغلو إلا كحركةٍ مضادة للتفلُّت والتفريط الذي عاشت فيه الأمَّةُ ردْحًا من الزَّمن، والأمَّة في حاجةٍ ماسة إلى تبنِّي مشروع وسطي في كافَّةِ قطاعات حياتِها، فتحتاج إلى مشروعٍ وسطي في عملِها السِّياسي تتعامل مع الآخر من خلالِه دون تنازلٍ أو تفريط في حقوقِها، ودون انزواءٍ وبُعْدٍ عن التَّعاملِ معه والتفاعل مع متغيراتِ المجتمع المعاصر والاستفادة من الخبرات البشرية المعاصرة، كما تحتاجُ إلى مشروع وسطي في عملها الاقتصادي فلا تغفل ضرورةَ أن تكونَ لها ذاتيتُها ورؤيتها المنبثقة من مبادئِ وقوانينِ دينِها؛ بحيث تعمل على تبني مشروعٍ اقتصادي إسلامي تقدِّمه للعالمِ ليستفيدَ من رؤى الإسلامِ في هذا المجال، وينطلق هذا المشروعُ من مبادئ الإسلام وتشريعاتِه، وإلى جانبِ ذلك لا تغفلُ أو تهملُ الاهتداءَ بالتَّجارِبِ الاقتصادية المعاصِرَة، كما تحتاجُ إلى مشروعٍ وسطي في المجالاتِ الاجتماعية تتبنَّى فيه معتقداتِها وترسِّخُ تقاليدَها وتؤصِّل مبادئَها وتُرسي قِيَمَها، ومع ذلك تحترمُ  معتقداتِ الآخرين ولا تصادر رأيًا أو فكرًا يختلفُ معها، وإنَّما معيار التَّعامل ينبغي أن ينطلقَ من مبدأ: ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125]، وفوق هذا وذاك فهي في أمسِّ الحاجة إلى وسطية الفِكر، دون مغالاةٍ في رفض كلِّ وافد من الأفكار والتَّصورات التي ربَّما تتَّفق بشكلٍ أو بآخر مع تصورات الإسلام ومقاصد الشَّريعة، بل تأخذُ منها ما يصلح وتترك ما يضرُّ، وفي الوقتِ نفسِه لا تترك نفسَها عالةً على أفكار الآخرين وتصوراتِهم وتعتبرها المثلَ والنَّموذج الذي يجب أن يُحتذى، والأهمُّ من ذلك هو تفعيلُ هذا المنهجِ الوسطي في قطاعات الحياة المختلفة، فلا يكفي أنْ يظلَّ حبيسَ عقولِ المفكِّرين والمصلحين من هذه الأمَّة، بل ينبغي أن تتبناه القطاعاتُ الحاكمة والفاعلة، والتي عليها مسؤوليةُ اتخاذ القرار، وهكذا ينبغي أن يكونَ مبدأ الوسطية مبدأً فاعلاً في كلِّ قطاعات الحياة، إذا أرادتِ الأمَّةُ أن تخرجَ من هذه الْهُوَّةِ وتتجاوزَ هذا الظَّرفَ المؤلِم الذي تعيشُه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] في ظلال القرآن؛  سيد قطب (1 / 131 وما بعدها)؛ دار الشروق بيروت ط 15، 1988 م

اخر المواضيع المضافة

إدخال السرور .. سمة المؤمنين

عدد الزيارات:4

التاريخ : 27-06-2017

منهج النبي في العشر الأواخر

عدد الزيارات:45

التاريخ : 22-06-2017

شهررمضان شهر القرآن

عدد الزيارات:54

التاريخ : 21-06-2017

رمضان شهر التآخي

عدد الزيارات:53

التاريخ : 17-06-2017

التكافل الإجتماعي

عدد الزيارات:63

التاريخ : 12-06-2017

الزكاة .. طهر ونماء

عدد الزيارات:94

التاريخ : 11-06-2017