الدعوة إلى الدين الإسلامي لم تكن القوة هي التي توجّه ضد الأفراد، والأنظمة المعادية للإسلام، والتي تمنع عن الناس الدعوة، وتضطهد من يُسْلِم عندها، بل لأن الهدف من هذا الدين هو هداية الناس أجمعين دون أن تقتصر الدعوة على جنس بذاته، أو قوم بذاتهم، أو مكان معين؛ فهي موجهة إلى الناس كافة، ولذا فإن اتباع المنهج السليم الوسطي في الدعوة إليه بالأسلوب الذي يعالج كل ما هو منتشر في أوساط المجتمع مما يخالف شرائع الله؛ مطلوب؛ لأن الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - أرسل رحمة للناس أجمعين، فكان المنهج الذي سار عليه في الدعوة إلى الله منحصراً في نصوص منها: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}1 "على هذه الأسس يرسي القرآن الكريم قواعد الدعوة ومبادئها، ويعين وسائلها وطرائقها، ويرسم المنهج للرسول الكريم - صلى الله عليه وآله وسلم -، وللدعاة من بعده بدينه القويم، فلننظر في دستور الدعوة الذي شرعه الله في هذا القرآن، والدعوة بالحكمة، والنظر في أحوال المخاطبين وظروفهم، فلا تستبد به الحماسة والاندفاع والغيرة؛ فيتجاوز الحكمة في هذا كله، وفي سواه، وبالموعظة الحسنة التي تدخل إلى القلوب برفق، وتتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نية، فإن الرفق في الموعظة كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخير من الزجر والتأنيب والتوبيخ، وبالجدل بالتي هي أحسن بلا تحامل على المخالف، ولا ترذيل له وتقبيح، حتى يطمئن إلى الداعي، ويشعر أن ليس هدفه هو الغلبة في الجدل، ولكن الإقناع والوصول إلى الحق، فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق حتى لا تشعر بالهزيمة، وسرعان ما تختلط على النفس قيمة الرأي وقيمتها هي عند الناس، فتعتبر التنازل عن الرأي تنازلاً عن هيبتها واحترامها وكيانها، والجدل بالحسنى هو الذي يطمئن من هذه الكبرياء الحساسة، ويشعر المجادل أن ذاته مصونة، وقيمته كريمة، وأن الداعي لا يقصد إلا كشف الحقيقة في ذاتها، والاهتداء إليها في سبيل الله، هذا هو منهج الدعوة ودستورها ما دام الأمر في دائرة الدعوة باللسان والجدل بالحجة"2.

إن من الواجب على الداعية أن يكون منهجه في الدعوة هو أعدل المناهج وأوسطها، متبعاً في ذات الوقت هذا القانون الرباني في الدعوة، متمسكاً بكتاب الله - عز وجل -، وسائراً وفق ما سار عليه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، متقيداً بأمور ينبغي له ولمن تصدر للدعوة التقيد بها، وأن لا تكون غائبة عنه هذه الأمور، وهي:

-   التمسك بما أمر الله - عز وجل - في الدعوة {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} وهذا هو المنهج الرباني الذي ينبغي على الداعي السير عليه، وهو المنهج الأحق بالاتباع في كل وقت، وفي أي مكان، مع الالتزام بالدعوة إلى الله - تعالى - على بصيرة وعلم {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}3.

-   أن يعلم الداعي أن الهداية بيد الله - تبارك وتعالى -، وأن واجبه هو البلاغ فقط، وهذا هو الذي حدَّه الله -عز وجل - لرسوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ}4، وقال في آية أخرى: {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}5 هذا هو حد الداعي، أما الهداية فهي من الله - عز وجل -: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}6.

إن الواجب على الدعاة إلى الله مخاطبة الناس ودعوتهم بمنهاج الوسطية في كافة أمور الدين علماً أو إفتاء أو دعوة؛ لأن الدين في أصله يرفض الغلو، والتنطع، والتطرف في كل جوانبه، مع عدم استعجال الداعية في قطف الثمر، ولا يحمله عدم استجابة المدعوين إلى التضجر، وترك دعوتهم، والسخط عليهم، وتتبع أخطاؤهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 سورة النحل (125).

2 في ظلال القرآن (4/497-498) بتصرف.

3 سورة يوسف (108).

4 سورة الشورى (48).

5 سورة العنكبوت (18).

6 سورة القصص (56).

اخر المواضيع المضافة

المنهج النبوي في بناء الأخلاق

عدد الزيارات:63

التاريخ : 17-10-2017

أحاديث في الأخلاق الحسنة

عدد الزيارات:38

التاريخ : 16-10-2017

الأخلاق السامية

عدد الزيارات:41

التاريخ : 16-10-2017

الأخلاق

عدد الزيارات:31

التاريخ : 15-10-2017

الهجرة الدائمة

عدد الزيارات:39

التاريخ : 12-10-2017

الايجابية من حياة الرسول صلى الله…

عدد الزيارات:39

التاريخ : 11-10-2017