وسطية في التفاعل الحضاري بمعنى (خصوصية بلا انكفاء وتفاعل بلا ذوبان)

إن وسطية الإسلام في التفاعل الحضاري تتطلب أن يدرك المسلمون تفرد دينهم وخصوصيته المتمثلة في صحة فكرته، وصواب منهجه وأحكام شريعته وترابط مجتمعاته، غير أن هذه الخصوصية لا يُراد لها أن تعزلهم عن الآخرين، بقدر ما يراد لها أن تمهد الطريق لهم للتعامل مع الآخرين، فالإسلام دين تبدت قدرته على التعايش مع كل الجماعات البشرية غير المحاربة، من نصارى ويهود. ملوك وفقراء. سود وبيض .. إلخ على مرّ الدهور والأيام، بما شهد له العدو قبل الصديق لكن ذلك التعايش كان محكوماً على الدوام بضوابط منها:

    الاعتراف أن الاختلاف بين بني البشر في الدين واقع بمشيئة الله تعالى {هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن}، وقد منح الله البشر الحرية والاختيار في أن يفعل ويدع، أن يؤمن أو يكفر{فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}. 

والمسلم يوقن أن مشيئة الله لا رادَّ لها ولا معقب. كما أنه لا يشاء إلا ما فيه الخير والحكمة، علم الناس ذلك أو جهلوه. ولهذا ينحصر دوره في مهمة البلاغ المبين قولاً وعملاً دون إجبار أو إكراه { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين }.

    وحدة الأصل الإنساني والكرامة الآدمية: اتساقاً مع قوله سبحانه وتعالى:{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، وقوله:{ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات}. فالناس أكرمهم عند الله أتقاهم، أبوهم واحد، والرابطة الإنسانية بينهم قائمة شاءوا أم أبوا، هذه الرابطة تترتب عليها واجبات شرعية كالقيام للجنازة أياً كانت عقيدة صاحبها، روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام فقيل له: إنها جنازة يهودي فقال: "أليست نفساً!". وفي هذا تكريم واعتراف بحق الآخرين ما لا يخفى.

    التعارف:

لقوله سبحانه وتعالى:{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم} وكما ورد في الحديث (وأشهد أن العباد –كلهم- إخوة)، فالتعارف أساس دعا إليه القرآن، وضرورة أملتها ظروف المشاركة في الدار أو الوطن بالتعبير العصري، وإعمال لروح الأخوة الإنسانية بدلاً من إهمالها، أو التنكر لها.

والروابط الاجتماعية بين البشر كثيرة، عبرت الآية {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} إذ حوت: الرابطة العائلية، والرابطة القومية، ورابطة الإقامة (الوطن)،  ورابطة المصلحة، والرابطة الإسلامية، والرابطة الإنسانية.

التعايش :

إذ أن حياة المتشاركين لا تقوم بغير تعايش سمح: بيعاً وشراء، قضاء واقتضاء، وتاريخ المسلمين حافل بصورة التعامل الراقي مع غير المسلمين. وقد حددّ الله -سبحانه وتعالى- أساس هذا التعايش بقوله: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}. إن غير المسلم إذا لم يبدأ بحرب، ولم يظاهر على إخراج، فما من سبيل معه غير التعايش الجميل الملتزم بالبّر وهو جماع حسن الخلق، والقسط هو العدل والفضل والإحسان. وفي القسط على العدل زيادة معنى وفضل مراد.

التعاون:

كثير من القضايا العامة تشكل قاسماً مشتركاً بين المسلمين وغيرهم، ويمكن التعاون فيها، كما أن الأخطار التي تتهددهم معاً ليست قليلة، ويمكن أن تشكل هذه القواسم المشتركة منطلقاً للتعايش والتعاون، ومن أهم هذه القواسم المشتركة ما يلي:

        - الإيمان بالتعددية الحضارية الثقافية التشريعية والسياسية والاجتماعية {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما أتاكم}.

        - العمل على تنمية آفاق التواصل الحضاري، ومن ذلك الإفادة من الأخر في المنهج العلمي في التكنولوجيا الإدارية المتقدمة، وتجديد الإحساس بقيمة الوقت وقيمة العدل في ظل مناخ كريم، والدعوة إلى قيام شراكة إنسانية قويمة، قوامها التبادل العادل للمصالح، والسعي الجاد لخفض أصوات الغلاة من الطرفين.

        - تأثير الضمير الغربي تجاه مآسي المسلمين من منطلق إنساني، مثل الذي يحدث في فلسطين والعراق ونحوهما.

        - الدعوة إلى تأسيس فقه الأقليات المسلمة في مجتمع غير المسلمين على قاعدة (لا تكليف إلا بمقدور) أي على قدر الوسع والطاقة بما يحقق للمسلمين الحفاظ على هويتهم دون انكفاء، والتفاعل دون ذوبان.

        - التركيز على المنظومة القيمية في علاقاتنا مع الأخر، والقائمة على وحدة الأصل الإنساني ومنطلق التكريم الإلهي للإنسان { ولقد كرّمنا بني آدم }، وإحياء مبدأ التعارف {لتعارفوا}، وتعميق الأخوة الإنسانية (وأشهد أن العباد كلهم إخوة)، والتعامل بالبر والعدل مع المسالمين { أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم } والمجادلة بالتي هي أحسن.

        - العمل على إيجاد القواسم المشتركة والإعلاء من شأن الأنساق المتفقة، فالحضارات تتقاسم أقداراً من القيم مثل العدل والمساواة والحرية ..إلخ، وأهل الحكمة من كل ملة يستحقون الشكر والعرفان.

        - لا يرى الآخر (الغرب تحديداً) كتلة واحدة، بل يتعامل معه على أساس أنه دائرة واسعة الأرجاء، متعددة المنافذ، يمكن مخاطبتها بموضوعية لرعاية المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، دون حيف أو ظلم لتحقيق الأمن والسلام العالميين.

        - تأكيد الالتزام الواضح بالحرية وحقوق الإنسان، ومشروعية الخلاف الفكري والتعدد الديني والثقافي والتداول السلمي للسلطة، والدفاع عنها بوصفها أساساً من مبادئ الإسلام، ونبذ العنف في العمل السياسي دون خلط له بالجهاد.

        - الدعوة إلى إحياء مبدأ التساكن الحضاري، واستكمال التوازن المفقود في الحضارة الغربية بالأساس الأخلاقي والبعد الإنساني عبر قدوة ومصداقية، يتطابق فيها المثال والواقع، ويكون بدلالة الحال أبلغ من دلالة المقال.

        - العمل على الإسهام في علاج مشكلات المجتمعات الأخرى خاصة المجتمعات الغربية. من انحلال أسري وتفكك اجتماعي، وانهيار أخلاقي وانحراف جنسي وتعصب عرقي، والعمل على إبراز تلك الإسهامات.

    اعتزاز بلا استعلاء وتسامح بلا هوان:

إن دعاة الوسطية ينظرون إلى واقع البشرية اليوم، وملء نفوسهم يفيض اعتزازاً لا تحد، وآيات تقدير لا تعد، يكنونها لهذا الدين، ولماضيه التليد، وإرثه المجيد، وهديه الرشيد، ويتوقون ليوم تسعد فيه البشرية بقيادة الإسلام لركبها: تحقيقاً للعدل، وحملاً للكل، ونشراً للسلم وردعاً للظلم، فالمسلمون ما فتئوا -في وقت الاستضعاف وشيوع الظلم والإجحاف- يرتكزون على اعتزازهم بهذا الدين، وما به من قيم حق وعدل وفضيلة، فيزداد إيمانهم وتقوى إرادتهم، ويتحملون الصعاب ويبذلون الجهد فيغير الله ما بهم من حال، فإذا أورثهم الله الأرض ومن عليها، لم يُر منهم استعلاء ولا تكبر ولا بطر للحق ولا غمط للناس، ولا "تصفية لحسابات قديمة"، والتاريخ يشهد بذلك منذ فتح مكة وقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأهلها الذين آذوه وأرادوا قتله: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". مروراً بما فعله المسلمون عندما هزموا التتار الذين دمروا بغداد ومشوا بالفساد، فما عرف التاريخ أن المسلمين ثأروا لأنفسهم بعد انتصارهم، بل عفوا وأصلحوا كما أمرهم ربهم وحققوا معنى الوسطية.

كما أن هذا التسامح الكريم، والتعامل الشريف، والمخالقة النبيلة، التي يبديها الإسلام للمخالف لا يجوز أن ينظر إليها في إطار غير إطارها، فيظن بالإسلام وأهله ضعفاً وهواناً يفضي بهم إلى أن يذوبوا في غيرهم من الكيانات البشرية، التي تمثل حضارة غير حضارتهم، وتوجهاً غير توجههم، فالمسلمون أمة قائمة برأسها، تتمتع بخصائصها الذاتية المتميزة، فهم كما وصفهم رسولهم الكريم (أمة من بين الأمم تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

منهج النبي في العشر الأواخر

عدد الزيارات:42

التاريخ : 22-06-2017

شهررمضان شهر القرآن

عدد الزيارات:50

التاريخ : 21-06-2017

رمضان شهر التآخي

عدد الزيارات:48

التاريخ : 17-06-2017

التكافل الإجتماعي

عدد الزيارات:61

التاريخ : 12-06-2017

الزكاة .. طهر ونماء

عدد الزيارات:90

التاريخ : 11-06-2017

الصيام وتربية النفوس

عدد الزيارات:76

التاريخ : 10-06-2017