أحمد عماري

لا يتحقق التوسط والاعتدال إلا بالبعد عن سبل الغلو والإفراط والتقصير والتفريط.

والغلوّ: هو الإفراط ومجاوزة الحدّ في الأقوال والأعمال.

الغلو: خروجٌ عن المنهج وتعدٍّ للحد، وعملٌ بما لم يأذن به الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.

الغلوّ: معارضة لهدي الإسلام، وإعراضٌ عن منهجه في التوسط والاعتدال والرحمَة واليسر والرِّفق.

الغلو مرض قديم عانت منه كثير من الأمم، وتناقله أهل الأهواء جيلا بعد جيل، يقول الله تبارك وتعالى محذرا أهل الكتاب من الغلو في الدين: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 171]، وقال عز وجل: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [المائدة: 77]

وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين ينهى أمته عن الغلو في الدين؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لا يريد الهلاك لأمته، ولا يريد الشقاء لأمته، بل يريد لأمته أن تكون أمة مرحومة أمة ميمونة وأمة سعيدة. وقد قال الله تعالى عنه: ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128].

فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يا أيها الناس؛ إيَّاكم والغلوّ في الدّين، فإنَّما أهلكَ من كان قبلكم الغلوُّ في الدّين ». أخرجه ابن ماجة وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هلك المتنطّعون» قالها ثلاثًا. قال النَّوويُ: والمتنطّعون - كما قال النَّووي -: المتعمِّقون المغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.

وعن سهل بن حُنَيفٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا تُشَدِّدوا على أنفسكم؛ فإنّما هلك من قبلَكم بتشدِيدِهم على أنفسهم، وستَجِدُونَ بقاياهُم في الصوامع والدِّياراتِ». أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والأوسط، والبيهقي في الشعب، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة.

من أسباب الغلو:

للغلو أسباب كثيرة وعوامل عديدة؛ كاتباع الهوى، وحب الزعامة، والتقليد...

ومن أبرز أسباب الغلو: الجهلُ وسوء الفهم. فلا يوجد متشدد متطرف إلا وهو جاهل بحقيقة الدين ومقاصده وقواعده. أما أهل العلم فهم أهل وسطية واعتدال، ويسر ورفق ورحمة.

وليس كل من يدعي العلم عالما، ولا كل من يدعي الفقه فقيها؛ حتى يجالس العلماء الربانيين والدعاة المخلصين فينهل من علومهم، ويتربى على أيديهم، ويتخلق بأخلاقهم.

ومن شدة الجهل أن مَن يتشدّد في بعض الأحكام الفرعية من العبادات والطاعات، لا يتورع عن مُقارفة كبائر الذنوب والآثام، كالغيبة والنميمة، والقذف والوشاية، والتماس العيوب للبرآء، وتدبير المكايد للمخالف. وقد يتجاوز ذلك إلى تكفير المخالف واستحلال دمه وماله وعرضه. وهذا كله جهل وضلال.

الخوارج نموذج في الغلو والتطرف:

والخوارج هم الذين ظهروا في زمن خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فخالفوه وخرجوا عن طاعته، بل وكفّروه وقاتلوه ومن معه من الصحابة والصالحين...

ومِن سماتهم أنهُم ويأخذون بظواهر النصوص دون معرفة بدلالات الألفاظ ومعانيها وقواعدها، ويُكفّرون مرتكب الكبيرة ويستحلون دمه وماله، ويخرجون عن ولاة الأمر ويقاتلونهم.

وقد ظهر أول رجل منهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ففي الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِاليَمَنِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذُهَيْبَةٍ فِي تُرْبَتِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الحَنْظَلِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي مُجَاشِعٍ، وَبَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الفَزَارِيِّ وَبَيْنَ عَلْقَمَةَ بْنِ عُلاَثَةَ العَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلاَبٍ وَبَيْنَ زَيْدِ الخَيْلِ الطَّائِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، فَتَغَيَّظَتْ قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ فَقَالُوا: يُعْطِيهِ صَنَادِيدَ أَهْلِ نَجْدٍ، وَيَدَعُنَا قَالَ: «إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ»، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَمَنْ يُطِيعُ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَلاَ تَأْمَنُونِي»، فَسَأَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ قَتْلَهُ، أُرَاهُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَمَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا، قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ»

وفي الصحيحين عن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا، أَتَاهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ، فَقَالَ: «وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ». فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ فَقَالَ: «دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ، -وَهُوَ قِدْحُهُ- فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي نَعَتَهُ.

وفي الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، فوالله لأن أخِرَّ من السماء أحَبّ إليّ من أن أكذبَ عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم، فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة».

فالوصف الأول: للخوارج ومن على شاكلتهم: يقرؤون القرآن، يتقنون تلاوته ويكثرون من قراءته، لكنهم لا يفقهونَه ولا يدركون مقاصدَه، فيتأولونه حسب أهوائهم ورغباتهم. يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في وَصفِهم: (إنّهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار، فجعلوها على المؤمنين).

والوصف الثاني: يُصَلّون، ويحرصون على اتقان الصلاة في ظاهرها. ويُكثِرون من الصوم؛ «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ». لكنهم لم يستفيدوا من صلاتهم ولا من صيامهم شيئا؛ ولا قيمة لصلاة لا تمنع صاحبها من الوقوع في الفحشاء والمنكر، وقد قال الله تعالى: ﴿ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45] وهؤلاء يرتكبون أبشع أنواع المنكر بقتلهم للأبرياء ونشرهم للرعب بين الناس. كما أنه لا قيمة لصيام لا يربي صاحبه على ترك المنكر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» ومن أقبح العمل بالزور سفك الدماء وقتل الأبرياء.

والوصف الثالث: استحلالُ دماءِ المسلمين: «يقتلون أهلَ الإسلام، ويدَعون أهلَ الأوثان». يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إنّهم يُكفِّرون بالذّنب والسيّئات، ويترتّب على تكفيرهم بالذّنوب استحلالُ دماء المسلمين وأموالِهم، وأنّ دارَ الإسلام دارُ كفر، ودارهم دار الإسلام".

حوار ابن عباس رضي الله عنه مع الخوارج:

فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «لما خرجت الحرورية اعتزلوا في دار، وكانوا ستة آلاف» فقلت لعلي: يا أمير المؤمنين «أبرد بالصلاة، لعلي أكلم هؤلاء القوم» قال: «إني أخافهم عليك» قلت: كلا، فلبست، وترجلت، ودخلت عليهم في دارٍ نصفَ النهار، وهم يأكلون، فقالوا: «مرحبا بك يا ابن عباس، فما جاء بك؟» قلت لهم: أتيتكم مِن عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين والأنصار، ومِن عندِ ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصِهره، وعليهم نزل القرآن، فهُمْ أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، لأبَلّغَكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون، فانتحى لي نفر منهم، قلت: هاتوا ما نقَمْتُمْ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمه، قالوا: «ثلاث» قلت: ما هن؟ قال: «أما إحداهن، فإنه حَكّمَ الرجال في أمر الله» وقال الله: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ [الأنعام: 57] ما شأن الرجالِ والحُكم؟ قلت: هذه واحدة. قالوا: وأما الثانية، فإنه قاتل، ولم يَسْبِ، ولم يَغنَم، إن كانوا كفارا لقد حلَّ سباهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلّ سباهم ولا قتالهم. قلت: هذه ثنتان، فما الثالثة؟ "وذكر كلمة معناها قالوا: محى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين" قلت: هل عندكم شيء غيرُ هذا؟ قالوا: «حسبنا هذا» قلت لهم: أرأيتكم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه ما يردّ قولكم، أتَرجعون؟ قالوا: «نعم» قلت: أما قولكم: «حَكّمَ الرجال في أمر الله، فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صير الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم [ص:481]، فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه» أرأيت قول الله تبارك وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ [المائدة: 95] وكان مِن حُكْمِ الله أنه صيره إلى الرجال يحكمون فيه، ولو شاء لحَكم فيه، فجاز من حكم الرجال، أنشدكم بالله أحُكم الرجال في صلاح ذات البين وحقن دمائهم أفضل أو في أرنب؟ قالوا: بلى، هذا أفضل. وفي المرأة وزوجها: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 35] فنشدتكم بالله حُكمُ الرجال في صلاح ذات بينهم، وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟ خرجت من هذه؟ " قالوا: نعم. قلت: وأما قولكم قاتل ولم يَسْبِ ولم يغنم، أفتَسْبُون أمّكم عائشة، تَستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمّكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليست بأمنا فقد كفرتم: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ [الأحزاب: 6] فأنتم بين ضلالتين، فأتوا منها بمخرج، أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. وأما محي نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون، إن نبي الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية صالح المشركين فقال لعلي: «اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله» قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «امحُ يا علي، اللهم إنك تعلم أني رسول الله، امحُ يا علي، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله» واللهِ لرسولُ الله صلى الله عليه وسلم خير من علي، وقد محى نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة، أخرجتُ من هذه؟ " قالوا: «نعم. فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم، فقُتِلوا على ضلالتهم، فقتلهم المهاجرون والأنصار». أخرجه النسائي والبيهقي، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

ومِن جهلِ الغلاة وسوء فهمِهم: عدمُ مراعاتهم لفقه المصالح والمفاسد؛ مع أن دَرْء المفاسد مقدَّمٌ على جَلْب المصالح، وأن أشدّ المفسدتين تُدْفَعُ بارتكابِ أخفّهما.

وفِقهُ المصالح والمفاسد بابٌ عظيمٌ من أبواب الفقه الإسلامي، عليه قامت الشريعةُ كلها. وإدراكُه والتطبيقُ الصحيح له ليس في قدرة أكثر الناس، وإنما هو بابٌ لا يَلِجُه إلا العلماء الربّانيون الفقهاءُ في دين الله تعالى.

 وشريعة الإسلام في أصولها الكلية قائمة على حفظ الضروريات الخمس للعباد (الدين والنفس والعقل والنسل والمال) وأصحاب الغلو لا يقيمون لهذه الضروريات وزنا، ولا يعيرونها اهتماما، بل يستحلونها وينتهكونها ويعتدون عليها، ويؤوّلون النصوص ويفسّرونها بما يبرر أفعالهم وجرائمهم، ويجهلون أو يتجاهلون أن الإسلام الذي يدعون نصرته والدفاع عنه قد جاء بحفظ دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم، وحرّم انتهاكها وشدّد في ذلك غاية التشديد، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ «أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ «أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الحَرَامِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وأعراضَكم عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».

فلا بد لمن يريد نصرة الإسلام وبيان الحق والدعوة إليه، من ترتيب الأولويات، ومعرفة بمقاصد الشريعة وكلياتها، ولابد من فهم للنصوص في ضوء بعضها البعض، مع الإلمام بمراتب الأحكام وطريق ثبوتها، مع تقدير ظروف الناس وأعذارهم، فقد قال الله عز وجل: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125]، وقال سبحانه: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ [يوسف: 108]. أي على علم وفهم وحجة وبرهان، لا عن هوى وجهل وتعصب وضلال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

العدل في حياة رسول الله

عدد الزيارات:36

التاريخ : 21-10-2017

الإنسانية في الإسلام

عدد الزيارات:39

التاريخ : 21-10-2017

عطاء الأخلاق في الإسلام

عدد الزيارات:34

التاريخ : 19-10-2017

الأمانة

عدد الزيارات:46

التاريخ : 18-10-2017

المنهج النبوي في بناء الأخلاق

عدد الزيارات:77

التاريخ : 17-10-2017

أحاديث في الأخلاق الحسنة

عدد الزيارات:48

التاريخ : 16-10-2017