الحمد لله الذي جعل الأشهر اثنا عشر شهراً في كتابه، والصلاة والسلام على مبلغ رسالته، والشفيع في أمته، وقدوة الدعاة لدينه، صلى الله عليه وسلم، وبعد…

إن من سنة الله في الكون أن جعل له نفحات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « اطلبوا الخير دهركم كله وتعرضوا لنفحات الله عز وجل فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده وسلوه أن يستر عوراتكم ويؤمن روعاتكم »، ومن هذه النفخات أن جعل الله من شهور السنة الإثنا عشر أربعةَ أشهرٍ حُرُم ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ )) التوبة36، وجعل منها شهرَ رمضان ((شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)) البقرة186، ليبقى الداعية المسلم في دورة عبادية مستمرة مع الحياة دون كلل ولا ملل، ينتقل من موسمٍ لآخر ومن نفحةٍ لأخرى نحو رضى مولاه سبحانه.

ونحن في شهر شعبان الذي قال عنه الرسول الأكرم – صلى الله عليه وسلم :” شعبان بين رجب وشهر رمضان ؛ تغفل الناس عنه، تُرفع فيه أعمال العباد، فأحب أن لا يُرفع عملي إلا وأنا صائم “ صححه الألباني، فهذا الشهر يرفع الله فيه أعمال العباد، وكأنه يشبه يوم الحشر حيث أنه وقت الجزاء والعطاء ؛ وهو شهر تحويل القبلة في النصف منه، وهي ليلة عظيمة : (يطلع الله إلى خلقه في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن) صححه الألباني، فتحويل القبلة يحسدنا عليه أهل الكتاب بجانب حسدهم لنا على يوم الجمعة وقولنا آمين في الصلاة، وهو حدثٌ ميّز الله الأمة فيه عن غيرها فأعقبه مباشرة الأمر الأول بمقاتلة المشركين ثم أعقبه مباشرة النصر الحربي الأول لهم في معركة بدر الكبرى، ومن هنا تعلمنا بأن الأمة الإسلامية تُتبع ولا تَتبع! تقود ولا تٌقاد، فهي أمةُ مميزة في كل شيء، وعلى أبنائها أن يحافظوا على هذا التميز بكل أشكاله وخصوصاً العقائدية والعبادية منها.

فتوجُهُنا في القبلة للبيت الحرام، كان تمهيداً للخيرية والزعامة العالمية والشهادة على العالمين في الدنيا والآخرة (( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)) فنحن – بعد هدايتنا لهذه القبلة – أصبحنا مؤهلين كأمة لنكون شهداء على الناس والأمم وعليه فالرسول سيشهد علينا، قال رسول الله في الحديث الصحيح: “أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه بلغ رسالة ربه عز وجل”.

ولذلك لا يحق لأمة أعطاها الله هذه الخيرية وهذه الميزة، لا يحق لها أن تنام أو تتراجع أو تهن أو تشكو أو تنكسر، لأن الله هو الحكم العدل، فلولا أنه يعلم أنها الأحق لما أعطاها تلك الصفات وزودها بما يمكنها من هذه الوظيفة الأسمى بين وظائف المخلوقات، وإلا سيستبدلنا الله سبحانه وتعالى ((وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)) محمد 38.

ثم يأتي شهر رمضان، شهر القرآن، فيه ليلةٌ خير من ألف شهر((لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ))، ثم يعقبه شهر شوال، ذلك الشهر الذي يذكرنا بطعم النصر حيث دخل المسلمون المدينة في أول يوم فيه مكبرين وهم راجعين من النصر الأكبر، من غزوة بدر الكبرى، يهتفون : الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد… ليكتمل المعنى التربوي الجهادي بصوم العشر الأوائل منه، لتبقى الأمة منتصرة طوال الدهر بسيوفها وعبادتها، ولعل هذا بعض المعاني العظيمة من قول رسول الله (من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر  كله).

بعد ذلك تبدأ ثلاثة أشهرٍ حُرُمٍ جديدة، ليزداد العمل فيها، حيث موسم الحج والعشر الأوائل من ذي الحجة، ففيها يوم عرفة ويوم النحر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما من أيام أفضل عند الله ولا العمل فيهن أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير، فإنها أيام التهليل والتكبير وذكر الله، وإن صيام يوم منها يعدل بصيام سنة، والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة ضعف “.  قال المنذري إسناده صحيح

 وتبقى الأشهر الحرم معنا حتى نصل ليوم عاشوراء في العاشر من شهر الله المحرم وهو يوم نصر الحق على الباطل، ونصر المستضعفين على الجبابرة والموحدين على الكافرين، صيام هذا اليوم يكفر سنة كاملة.

إننا إذاً في خضم مواسم متعاقبة من الخير والنفحات ممتزجة بعبير الريادة والقيادة والنصر والشهادة، مواسمٌ من حُرِم خيرها فقد حُرِم، مواسم حُسنُ استغلالها طاعة ربانية، وسنة نبوية، وضرورة روحانية وفريضة تربوية ورمزية قيادية، فلا ينبغي أن تتساوى عزائم الدعاة مع غيرهم، لأنهم القدوات، ولذلك يجب أن تتميز عزائمهم وأفعالهم.. فأروا الله منكم ما يقبل به أعمالكم، ويسدد به خطاكم، ويغفر به ذنوبكم، ويوسع به عليكم، ويثبت به أقدامكم وينصركم به على أنفسكم وعدوكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

قيم متصلة بعلاقة العبد بربه

عدد الزيارات:17

التاريخ : 10-12-2017

ربانية العلم

عدد الزيارات:14

التاريخ : 10-12-2017

التناصح من أخلاق الكبار

عدد الزيارات:18

التاريخ : 09-12-2017

النصيحة الشاملة جميلة

عدد الزيارات:44

التاريخ : 07-12-2017

القرآن والقلب

عدد الزيارات:48

التاريخ : 04-12-2017

خلق النصح

عدد الزيارات:50

التاريخ : 03-12-2017