خالد سعد

 الصوم أعظم مدرسه لتربيه النفوس المسلمة.. إنه مدرسة تختلف كثيراً عن المدارس التربوية الأخرى التي تعتمد في التربية على الإلقاء البحت للمواعظ والحكم فتحرك القلوب ثم ما تلبث أن يذهب ما فيها من خشوع وتأثير بمرور بعض الوقت، دون أن تنعكس في السلوك الشخصي للفرد بفعل إيجابي أو عمل جديد يقوّم النفس ويهذبها، ويصير لها عادة ملازمه في طريق الحياة.

أما في مدرسة الصوم فتتم التربية الإيمانية بممارسه عملية للصائمين أنفسهم طيلة شهر بكامله يتدربون فيها على الإيمان، والمثل علماً وعملاً، ويجدون في الصوم دروس غالية يتعلمون منها الكثير.

وفي هذا الشهر الكريم نستعرض بعض هذه الدروس العملية العظيمة التي نجدها في «مدرسة الصوم» حيث يظهر لنا روعة هذه العبادة. فسبحان العلي القدير الذي شرع لنا كل هذا الخير مما فيه صلاح نفوسنا وحياتنا.

* الإخلاص

فالإخلاص من الدروس الغالية التي تتعلمها النفوس بالصوم، فما سمعنا أنه صام مرائي أو منافق قط، ذاك أن غاية الرياء وهدفه الحقيقي هو مدح المادحين أو طلب المنزلة في أعين الخلق بما يمارسه المرائي من وجوه الطاعات والبر، وهذا الأمر غير حاصل له بالصوم، لأن الصوم سر بين العبد وربه - جل وعلا -، لذلك كان الإمام أحمد يقول:((الصوم لا رياء فيه)).

فلا يصوم إلا المخلصين التاركين لطعامهم وشرابهم وشهوتهم من أجل طاعة ورضا الله - تعالى -وحده دون سواه، ولما كان الصوم كله خالصاً لله لا تشبه شائبة الرياء نسبه الله - تعالى - إلى نفسه وتكفل بالجزاء علية. فقال - تعالى - في الحديث القدسي: ((كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزى به))[1].

وتكفله - سبحانه - بالجزاء عليه يعنى أنه -تعالى- قد كشف مقادير ثواب غيرة من الأعمال الصالحة والطاعات، وأنها تضاعف من حسنه إلى عشرة إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإنه - سبحانه وتعالى - يثيب عليه بغير تقدير، فهو جل شأنه الذي انفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وكل هذا من ثمرة الإخلاص في تلك العبادة الجليلة.

وحاجة النفس للإخلاص أشد من حاجة الجسد للطعام والشراب والهواء، فالإخلاص من أهم أسباب تزكية النفوس وطهارتها ونجاتها يوم القيامة، فكل طاعة أو عمل نرجو جزائه عند الله - تعالى - لابد له من إخلاص يبعده عن النظر للمخلوقين ويوجهه للخالق - جل وعلا -، وبذلك يكون له عند الله القبول والمثوبة، فهو ركن من أركان العمل وشرط من شروط قبوله، قال - تعالى -: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً و لا يشرك بعبادة ربه أحدا)[الكهف: 110].

وعن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((قال الله - تعالى -: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه))[2].

فالإخلاص روح أي عباده، عليه تقوم، وبه تقبل عند الله - عز وجل -، وشواهد هذه القاعدة عديدة نجدها في أكثر من حديث من أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كقوله: ((ما قال عبد لا إله إلا الله قط مخلصاً إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنبت الكبائر))[3]، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيركع ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه وجبت له الجنه وغفر له))[4]. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر))[5]. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من سأل الله الشهادة من قلبه صادقا بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه))[6].

وثمرة الإخلاص الفلاح والنجاح في الدنيا و الآخرة

•       فالأمة المسلمة لا تنصر إلا بإخلاص أبنائها، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم))[7]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب))[8].

* والود والحب والألفة بين المسلمين لا تكون إلا بالإخلاص، قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم فإن دعائهم يحيط من ورائهم))[9] فلا يجتمع غل مع إخلاص في قلب المسلم أبدا.

* والرفعة والمنزلة في الآخرة لا تكون إلا بالإخلاص، فيقول - تعالى - في شأن طائفة من المخلصين: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنه وحريرا)[الإنسان: 8 12].

إن الإخلاص خلاص من كل ما يكره المرء، ومن كل قيد، ومن هنا تأتى فضيلة الصوم أعظم مدرب للنفوس على الإخلاص الذي هو من أشق الأمور على النفس، حيث يقول أحد حكماء السلف: "إخلاص ساعة نجاة الأبد ولكن الإخلاص عزيز".

* التقوى

قال - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) [البقرة: 183] قال الزجاج: لتتقوا المعاصي، فإن الصيام وصله إلى التقى، لأنه يكف الإنسان عن كثير مما تطلع عليه النفس من المعاصي.

وفي الصوم يتدرب الإنسان على تقوى الله - تعالى - وذلك لأن الصوم يكف جماح الشهوات التي هي أكبر دافع على تعدى حدود الله، كما أن الصوم الحقيقي هو الذي يقترن بالآداب والفضائل ويجانب كل الرذائل، وتلك هي حقيقة التقوى التي هي: اجتناب ما يسخط الله، والإقبال على ما يرضى الله من الاعتقادات والأقوال والأفعال.

وفي ذلك يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الصيام جنه من النار، فمن أصبح صائماً فلا يجهل يومئذ، وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبه، وليقل إني صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك))[10].

ويقول - صلى الله عليه وسلم -: ((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجه في أن يدع طعامه وشرابه))[11].

وقال جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينه يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء".

إن تقوى الله هي المخرج الحقيقي للمجتمعات المنكوبة التي تتخبط في ظلمات النظريات تتلمس منهج يخرجها من الشقاء، قال - تعالى -: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) [الطلاق: 2 3]، وقال: (ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً) [الطلاق: 4]، وقال: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض) [الأعراف: 96].

والتقوى هي الملاذ الآمن الذي يجعل الإنسان في كنف الله - تعالى -، وماذا فقد من وجد الله - تعالى -، يقول جل شأنه: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط) [آل عمران: 120] وقال: (واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) [البقرة: 194].

والتقوى مفتاح كل خير، وبوابة القبول لأي عمل، قال - تعالى -: (إنما يتقبل الله من المتقين) [المائدة: 27].

والتقوى خير زاد يتزود به الإنسان، وخير زينة يتزين بها، قال - تعالى -: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) [البقرة: 197] وقال: (ولباس التقوى ذلك خير) [الأعراف: 26].

إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى *** تقلب عريـاناً وإن كان كاسياً

 وخير لباس المرء طاعــة ربه *** ولا خير فيمن كان لله عاصـياً

* الصبر

يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى -: فالله - تعالى - جعل الصبر جواداً لا يكبو، وصارماً لا ينبو، وجنداً غالباً لا يُهزم، وحصناً حصيناً لا يُهدم، فهو والنصر أخوان شقيقان، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عده ولا عدد، ومحله من الظفر محل الرأس من الجسد.

والصوم تجتمع فيه معاني الصبر الثلاثة: الصبر على ألم الجوع والعطش، والصبر على المعاصي، والصبر على الطاعات.

فالصوم خير مدرب للإرادة، وخير معلم للصبر، والصبر مدرسة يعد فيها الرجال فيجعلهم يألفون الشدائد ويتحملونها في سبيل كل نجاح وفلاح، وما قامت أي حضارة وما أحرز أي تقدم وازدهار إلا بالرجال الصابرين على المحن التي تعترض طريق النهضة. فالكسل والجزع عند أول عقبه لا ينتج إلا أجساداً مترهلة خاملة خائفة لا تعرف للرفعة سبيلا ولا للرقى طريقاً.

وصدق الشاعر إذ يقول:

والصبر مثل اسمه مر مزاقته *** لكن عواقبه أحلى من العسل

ولذلك قيل في تعريف الصبر هو: تعويد النفس الهجوم على المكارة. وقال على كرم الله وجهه: الصبر مطيه لا تكبو. وقال الحجاج في خطبه له: اقرعوا هذه النفوس فإنها طلعه إلى كل سوء، فرحم الله امرءاً جعل لنفسه خطاماً وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله وصرفها بزمامها عن معاصي الله، فإن الصبر على محارم الله أيسر من الصبر على عذابه.

فالصبر كله خير وكله ضياء، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما رزق عبد خيراً له ولا أوسع من الصبر))[12]، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أفضل عيش أدركناه بالصبر.

* المراقبة

الصيام أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه فيه إلا الله - تعالى -. فالصائم ترك كل شهوة في قدرته تناولها، ولولا اطلاع الله - تعالى - ومراقبته له لما صبر، فلا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله - تعالى -، والحياء منه - سبحانه -، أن يراه حيث نهاه، ويفتقده حيث أمره.

وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله - تعالى -، والاستغراق في تعظيمه وتقديسه، أكبر معد للنفوس، ومؤهل لها لضبطها ونزاهتها في الدنيا وسعادتها في الآخرة.

إن النفوس المتحلية بالمراقبة لا تقدم على غش ولا خديعة ولا خيانة ولا ظلم ولا استرسال مع أي معصية وروح الصيام وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة.

إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل *** خلوت ولكن قل على رقيب

ولا تحسـبن الله يغفـل سـاعـة *** ولا أن ما يخفي علـيه يغيب

فالله - تعالى - بالنسبة للصائم رقيب حي في قلبه لا يرائيه ولا يجامله ولا يخدع من تأويل ولا يغتر بفلسفة ولا تزيين ولا يستهويه ما تسول النفس ولا يزال دائماً يقول للنفس: إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك.

إننا لا نخطئ إذا قلنا أن الصوم تربيه للمسلم يخرج المسلم منه وقد صفت نفسه وزكا قلبه وتطهرت روحه وسما عقله ثم هو بعد ذلك زادا للعبد في سيره وارتحاله إلى ربه - جل وعلا -.

_____________________

[1] رواه مسلم كتاب الصوم رقم 1944).

[2] رواه مسلم كتاب الزهد والرقائق رقم 5300).

[3] رواه الترمذي عن أبي هريرة كتاب الدعوات رقم 3514).

[4] رواه أحمد عن عقبة بن عامر مسند الشاميين رقم 16676).

[5] رواه الطبراني عن أبي أمامة (حسن) انظر حديث رقم: 3797 في صحيح الجامع.

[6] رواه الترمذي عن سهل بن حنيف كتاب الجهاد رقم 1577).

[7] رواه النسائي كتاب الجهاد رقم 3127

[8] رواه أحمد عن أبي بن كعب مسند الأنصار رقم 20274).

[9] رواه أحمد عن جبير بن مطعم (صحيح) انظر حديث رقم: 6766 في صحيح الجامع.

[10] رواه النسائي عن عائشة كتاب الصيام رقم 2202).

[11] رواه البخاري عن أبي هريرة كتاب الصوم رقم 1770).

[12] رواه الحاكم عن أبي هريرة (صحيح) انظر حديث رقم: 5626 في صحيح الجامع. 

اخر المواضيع المضافة

الحج.. رحلة العمر

عدد الزيارات:23

التاريخ : 16-08-2017

زاد الحج

عدد الزيارات:38

التاريخ : 15-08-2017

تحطيم الأصنام

عدد الزيارات:48

التاريخ : 13-08-2017

تزكية الأنفس من أهم الأولويات

عدد الزيارات:59

التاريخ : 10-08-2017

الصفقات الرابحة عند الله

عدد الزيارات:47

التاريخ : 09-08-2017

الصبر صفقة رابحة

عدد الزيارات:50

التاريخ : 08-08-2017