عبدالوهاب لطف

فريضة الحج:

الحج من أعظم العبادات التي شرعها الله عز وجل وفرضها على كل مستطيع وقد أوضحت النصوص من الكتاب والسنة حكم هذه العبادة وذلك في قوله تعالى: { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً } [آل عمران:97]، وقوله: { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ } [البقرة:196]. وفي الحديث، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان» .

فضيلة الحج:

وللحج مكانة عظيمة عند الله عز وجل وقد رتب عليها - لمن يقوم بها حق القيام - أجرا جزيلا ويدل على ذلك في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» .

لب العبادات:

ولب هذه العبادة - وسائر العبادات - هو إخلاص العمل لله تعالى وابتغاء وجهه في القيام بها، دون أن يكون للعبد قصد في سمعة أو حب في ثناء الناس عليه، أو غير ذلك مما يعرض العبادة للحبوط، والبطلان فإن غاية ما يرجوه العبد من ربه سبحانه قبول ما يقوم به من العبادة والقبول مرهون بكمال الإخلاص لله تعالى ومطابقة العمل لما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

تجرد النفس للحق وسلامتها من الهوى:

وأهم ما ينبغي للعبد مراعاته في الحج – وسائر العبادات – وتحري الحق والصواب فيما يقوم به من العبادة وأن يخضع نفسه لقبول النصح، وإتباع ما جاء عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأن لا يجعل عباداته قائمة على مجرد متابعة الناس فيما ألفوه واعتادوه من صور العبادة التي دخلها كثير من البدع، والاجتهادات التي شطت عن الصواب والتسلح في كثير من الأمور الثابتة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدعوى أن هذه سنة وهذا مندوب، وهذا مستحب... إلى غير ذلك من الإطلاقات التي تحمل العبد على تجريد العبادة من كثير مما صح وثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فعله قائلا:« لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» ، كما أن بعض أهل السعة في المال يتركون بعض مناسك الحج – كالمبيت بمزدلفة، والمبيت بمنى وغير ذلك معتمدين في ذلك على قدرتهم على جبر هذه المناسك بالدماء، وهذه ظاهرة لا يجوز استخدامها، فإن الله عز وجل شرع لعباده عبادة معينة فيأتي أمثال هؤلاء وكأن لسان حالهم يقول: أنت يا ربي شرعت هذه العبادة، وتعبدتنا بها، ولكننا قد رأينا أن ندفع لك عوضا عنها دما نذبحه؛ لأننا لا نريد أن نتعب أنفسنا التي ألفت الراحة بمثل هذه العبادة.

وإذا كان العبد يجهل شيئا من تفاصيل الحج فعليه أن يتعلم وأن يسأل أهل العلم من يثق بدينه وورعه وتقواه، فقد قال تعالى: { فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } [النحل:43].

صدق التوبة:

ولا ينبغي للعبد المسلم أن يقدم على هذه العبادة العظيمة دون أن يطهر نفسه من الذنوب التي تدنست بها، فإن المعصية إذا تمكنت من القلب أفسدته حتى تفقده حلاوة الطاعة والتعلق بها، وتفتح عليه المعصية أبوابا أخرى من أبواب المعاصي التي يصعب عليه التخلص منها، وقد تصبح لذته في ارتكاب المعصية ومزاولتها، والحج هو أحدى العبادات التي يجد فيها العبد فرصة من التجرد من مثل هذه المعاصي التي استحكمت في نفسه وإذا صدق ربه سبحانه في الرغبة في التخلص من هذه المعاصي وأقلع عنها رغبة رجاء فيما عند الله تعالى، وخوفا وخشية من عذابه سبحانه، فإن الله تعالى يعينه على ذلك ويزيده توفيقا وهداية، قال تعالى: { وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ } [محمد:17]. وقوله: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ } [العنكبوت:69].

وبدون ذلك فإن العبد لا يجد في نفسه أثر للحج؛ لأنه ما يزال متمرغا في كثير من المعاصي مصرا عليها وتصبح العبادة في حقه عبارة عن حركات جوفاء لم تنقله من حال سيء إلى حال كريم طيب هو حال الأوبه والرجوع إلى ربه سبحانه فإن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قد بشر من قام بالحج المبرور – كما سبق في الحديث – بالجنة أفيعود العبد بعد هذه العبادة وهذه البشرى الكريمة، ليمرغ نفسه من جديد في المعصبة؟ وهل يليق بمن بشر بأنه من أهل الجنة أن يعود لنقض التوبة من جديد ويدنس النفس بالمعصية.

خطر الألف والعادة:

وكثير من الناس ألفوا حياتهم ممارسة كثير من المعاصي، حتى تبلد إحساسهم وشعورهم بقبح المعصية، وصارت أمرا مألوفا، بحيث لا يشعرون بأنهم يمارسون معصية، والإنسان عندما يرتكب معصية ويشعر بألم المعصية والإثم يرجى له التوبة والإقلاع عنها بل إن ذلك من علامات الإيمان كما جاء في الحديث عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: «خطبنا عمر بالجابية, فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا, فقال: أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يفشوا الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف ويشهد الشاهد ولا يستشهد ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد من أراد بحبوحة الجنة فيلزم الجماعة من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن» .

غير أن الخطر يكمن في عدم إحساس الإنسان بقبح المعصية فإن الإنسان في هذه الحال لا يحدث نفسه بالتوبة؛ لأنه لا يدرك قبح ما هو فيه حتى يقلع عنه، فها نحن نرى كثير من الحجاج بعد عودتهم من الحج – يمارسون ما اعتادوا عليه من المعاصي مثل: التعامل بالربا الذي توعد الله سبحانه ومن يتعاطاه، بحرب من الله ورسوله واستخدام أساليب الكذب والغش والخديعة في التعامل كالبيع والشراء وغيرهما، وموالاة أعداء الإسلام من الكفرة وأوليائهم ومعاداة المؤمنين الصالحين وهذه من نواقض الإيمان، قال تعالى: { لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } [المجادلة:22].، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة:23]، والتهاون في الصلاة وسائر العبادات.

وخلاصة القول أنه لا ينبغي للعبد المسلم الذي يسارع في الخيرات والقربات ويجتهد في نيل مرضاة ربه سبحانه ويحرص على أن يكون عمله مقبولا عند ربه لا ينبغي لمثل هذا العبد أن يهتم بظواهر الأمور، دون الاهتمام بلب العبادة وأساسها وأسباب صحتها وقبولها، والنظر في آثارها ونتائجها في الدنيا والآخرة وأن يجتهد العبد في محاولة التغيير من نفسه حتى تكون بعد العبادة خيرا منها قبلها في الاستقامة على الحق والتخلص من المعصية وملازمة الطاعة التي فرضها الله سبحانه على العبد وتجنب حقوق المخلوقين، إلى غير ذلك مما يقيم الإنسان به نفسه على الجادة والصواب.. والله ولي التوفيق والهداية وهو نعم المولى ونعم النصير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

الرسالة الأخيرة

عدد الزيارات:38

التاريخ : 20-11-2017

الخصائص الثمانية للداعية الناجح

عدد الزيارات:29

التاريخ : 18-11-2017

الداعية الحق

عدد الزيارات:50

التاريخ : 16-11-2017

الثقة.. سلاح الداعية

عدد الزيارات:56

التاريخ : 13-11-2017

قبسات من أخلاق النبي

عدد الزيارات:60

التاريخ : 11-11-2017

التقوى المؤسسية

عدد الزيارات:58

التاريخ : 09-11-2017