لقد بُعث النبي- صلى الله عليه وسلم- متمِّمًا لمكارم الأخلاق، داعيًا لأحمدها وأرشدها، موصيًا بحسن الخلق سائرَ أصحابه وأحبَّته، فقد أخرج مالك أن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- قال: آخر ما أوصاني بِهِ رسول اللهِ- صلى الله عليه وسلم- حين وضعتُ رجلي في الغرز أن قال: “أحسِن خلُقَكَ للناس يا معاذ بن جبل”.

وعدَّ حسن الخلُق تمامَ البرّ، فأخرج مسلم عن النواس بن سمعان الأنصاري- رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن البرِّ والإثم، فقال: “البرُّ حُسْنُ الخُلُق..” (الحديث).

وعبر- صلى الله عليه وسلم- عن الدرجة العليا والأجر العظيم لحسن الخلق، فيما أخرجه أبو داود وغيره عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم”.

ولِمَ لا وحسن الخلق هو أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة، فقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه عن أبي الدَّرداء- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: “ما من شيء أثقل في الميزان من حسن الخلق”، وفي رواية الترمذي: “مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ”،

وأخرج الترمذي وصحَّحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟! فَقَالَ: “تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ”.

وبيَّن النبي- صلى الله عليه وسلم- أكمل المؤمنين إيمانًا، فقال فيما أخرجه أبو داود والترمذي وصححه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: “أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا”،

فأين أنت من التدرُّب على تحسين أخلاقك، وخاصةً في هذه الأيام العشر؟!

أين أنت من صلة الأرحام في هذه الأيام العشر؟!

صلة الرحم من أفضل الأعمال وأعظمها أجرًا، وقد قرن الله تعالى قطع الأرحام بالفساد في الأرض، فقد أخرج الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه- عَنْ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: “خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَها: مَهْ!! … قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ.. قَالَ: أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ …. قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ.. قَالَ: فَذَاك…. ِ” قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾.

وفضلاً عن كون صلة الرحم محبةً للأهل وسببًا في بركة الرزق والعمر وتعجيل الثواب؛ فقد جعله النبي صلى الله عليه وسلم أحب الأعمال إلى الله بعد الإيمان بالله،

فقد أخرج ابن أبي عاصم وأبو يعلى عن رجل من خثعم أنه قال: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟ … قال: “إٍيمَانٌ بِاللهِ تَعَالَى”. … قال: يا رسول الله، ثم مَهْ؟ … قال: “ثُمَّ صِلَةُ الرَّحِمِ”.

فاحرص أخي المسلم الكريم على اغتنام هذه الأيام المباركة لتصل رحمك وبخاصة ما انقطع منها لأي سبب، واعلم أن الوصل لا يعني أن تصل أولئك الذين يصلونك ويجاملونك، بل الوصل الحقيقي هو وصل من قطعوك أو قطعت بينك وبينهم الظروف أو الخصومات، فقد أخرج البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا”.

فلتحرص على صلة رحمك في هذه العشر المباركة، جعلنا الله وإياكم من الواصلين.

وأخيرًا..

أسوق إليك أخي الكريم هذه النصائح الغالية التي رُويت عن هادي البشرية صلى الله عليه وسلم: “اطلبوا الخير دهركم، واهربوا من النار جهدكم، فإن الجنة لا ينام طالبها، وإن النار لا ينام هاربها، وإن الآخرة محففة بالمكاره، وإن الدنيا محففة باللذات والشهوات، فلا تلهينكم شهوات الدنيا ولذاتها عن الآخرة، إنه لا دنيا لمن لا آخرة له، ولا آخرة لمن لا دنيا له، إن الله قد أبلغ في المعذرة وبلغ الموعظة، إن الله قد أحل كثيرًا طيبًا لكم فيه سعة، وحرم خبيثًا فاجتنبوا ما حرم عليكم، وأطيعوا الله فإنه لن يحل الله شيئًا حرمه ولن يحرم شيئًا أحله، وإنه من ترك الحرام وأكل الحلال أطاع الرحمن، واستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، واجتمعت له الدنيا والآخرة، هذا لمن أطاع الله عز وجل”.

اخر المواضيع المضافة

الكرامة الإنسانية

عدد الزيارات:41

التاريخ : 22-10-2017

العدل في حياة رسول الله

عدد الزيارات:42

التاريخ : 21-10-2017

الإنسانية في الإسلام

عدد الزيارات:46

التاريخ : 21-10-2017

عطاء الأخلاق في الإسلام

عدد الزيارات:37

التاريخ : 19-10-2017

الأمانة

عدد الزيارات:47

التاريخ : 18-10-2017

المنهج النبوي في بناء الأخلاق

عدد الزيارات:79

التاريخ : 17-10-2017