أحمد التلاوي

التسليم والانقياد لله تعالى.. جوانب عقيدية مُفتَقَدة

من بين أخطر الأمراض العقيدية، والتي قد لا يكون هناك التفات كبير لها من جانب ذوي الشأن من العلماء، والتربويين، وأصحاب المنابر الإعلامية، قضية علاقة الإنسان بربه سبحانه وتعالى، ونظرة الإنسان المسلم إلى قضية العبودية لله عز وجل.

ويعود جزء من أسباب هذه المشكلة إلى غياب التربية الدينية السليمة في مدارسنا، ووطأة قسوة الديكتاتوريات التي تسلمتنا في بلداننا العربية والإسلامية، بعد خروج المستعمِر الأجنبي، وظهور الأفكار العلمانية بين ظهرانينا.

فنجد أن الشطط قد بلغ من البعض حدًّا أو وصل به إلى التمرُّد على الله تعالى، وعلى العبودية له! في إطار إعلان التمرُّد على استبداد وديكتاتورية الأنظمة، مشبِّهًا –في ظلم فادح– بين العبودية والخضوع لله عز وجل، وهو خالق السماوات والأرض، وخالقنا والقيوم علينا، وبين الخضوع المذل للإنسان، ممثلاً في شخصية الحاكم.

    وصل الأمر بالبعض إلى التمرُّد على الله تعالى، وعلى العبودية له! في إطار إعلان التمرُّد على استبداد وديكتاتورية الأنظمة، مشبِّهًا –في ظلم فادح– بين العبودية والخضوع لله عز وجل، وبين الخضوع المذل للإنسان، ممثلاً في شخصية الحاكم

ومرد ذلك لسببَيْن مباشرَيْن، الأول- هو غرور الإنسان بنفسه وبقيمته –وهو قيّم بالفعل، ومقاصد الشريعة كلها تصب في صالح الإنسان– ولكن هذه القيمة أتت من الله تعالى، وهو مَن قررها ومنحها له، من خلال تكريمه بحمل أمانة إقامة شريعته، وإقامة عقيدة التوحيد، وإفراد العبادة لله عز وجل وحده لا شريك له.

السبب الثاني- هو غرور الإنسان بعقله، برغم أنه قاصر، ويجب أن نعترف بهذه الحقيقة؛ لكي نصل إلى مرتبة الإيمان الكامل.

وتنطبق هذه الآية الكريمة على هذه النوعية من الناس. يقول الله تعالى في سُورة "يَس": {أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (77)}.

فهي تتبادر إلى الذهن، عند قراءة اجتراء البعض على الله تعالى في الخطاب، وفي الحديث، وفي تناول القضايا التي تخص أحكامه، ويعترضون عليها، ويبدون رأيهم فيها، بينما لم يقف أحدهم أمام ملكوت الله عز وجل، ودقة صنعه؛ لكي يسأل نفسه: هل أنا أحكم من الله تعالى! وهل أنا أكبر من هذا الخلق! ومن نحن أمام الله تعالى!

يقول الله تعالى في سُورة "غافر": {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(57)}.

والإنسان على غروره، لا ينتبه إلى سُنَّة يومية تحدث من حوله، بل يراها ويسمع عنها كل دقيقة، وهي سُنَّة فناء الخلق، ما بين نجوم تنفجر، وأفلاك تنتهي، وبشر يموتون ويفنون.

الغريب الآخر، أنه بجانب تجاهل العقل الإنساني القاصر لكل هذه الحقائق والأوضاع البديهية، تجده يوجِّه نفسه في اتجاه خاطئ، فقد تجد أحدهم، يعيش الهوان يوميًّا في عمله أمام صاحب المال الذي يلقي إليه العظام كل شهر! وربما كل شهرَيْن! ثم تجده يتكلم عن رب العزة نفسه، وكأنه ملك الملوك، بينما هو شيء أدنى من أن يقارَن حتى بخلق بسيط من خلق الله تعالى، مثل الجبال، أو النجوم، أو حتى الذباب!

بل إنه لو سلب الذبابُ الإنسانَ شيئًا، فإنه لا يستطيع أن يستعيده! يقول الله تعالى في سُورة "الحَج": {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ(73)}.

في هذا الصدد؛ تكلم القرآن الكريم عن عبادة الهوى لهذا السبب، ولأجل هذه الفئة.

في سُورة "الجاثية"، يقول الله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّه أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(23)}.

ثم كيف يحكِّم الإنسان عقله القاصر، ولا يفهم هذا القصور من الأصل، بينما قد يقف العقل عاجزًا أمام بديهيات علمية بسيطة. فإذا كان ألبرت آينشتاين نفسه، أكبر علماء الفيزياء عبر التاريخ، كان لا يحفظ جدول الضرب؛ لكي لا يشغل من عقله وذاكرته حيزًا يعيقه عن مدركات علمية أخرى، فكيف يتصور البعض أن نكون في مستوى حكمة الخالق عز وجل!

بل على العكس، فإن من صميم عزة الإنسان، الذل والخضوع لله عز وجل، فالإسلام نزل في الأصل لتحرير الإنسان من عبودية غير الله تعالى.

وكل الرسالات السماوية السابقة أكدت على ذلك، وهو جزء مهم من عقيدة التوحيد. التوحيد الذي يعني إفراد الله تعالى بالألوهية والعبودية، وهو ما يعني تحرير الإنسان من أي قيد آخر.

ومن صميم الإيمان، أن يخضع الإنسان لأحكام الله تعالى، ويسلِّم بها، حتى لو التبس عليه أمرٌ ما منها.

وفي هذا الصدد، فإنه يجب على الإنسان إدراك أن عبوديته لله تعالى كربٍّ للسماوات والأرض، طوعًا أو كرهًا، أراد أم لم يُرِد.

والقرآن الكريم واضح للغاية في هذا، يقول تعالى في سُورة "آلِ عِمْران": {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(83)}، ويقول كذلك في سُورة "الرَّعد": {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (15)}.

والعقل السليم يفرض على الإنسان الانقياد والطاعة، وهو ديدن الخلق في القرآن الكريم، يقول رب العزة عز وجل، في سُورة "فُصِّلَتْ": {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)}، فأولى بالإنسان في هذا، أنْ يكون كذلك، في ظل تكريم الله سبحانه وتعالى له.

وما يريح النفس في هذا، هو الالتزام بما جاء في القرآن الكريم وصحيح السُّنَّة النبوية، حتى لا ندخل في الجدل العقيم المعروف، هل هذا الكلام هو حكم الله تعالى، أم تأويل العلماء له؟ والعلماء فعلاً يختلفون.

فما جاء في القرآن الكريم، وصحيح الحديث النبوي، نلتزم بما فيه، وما لا نفهمه –ومن حكمة الله أن جعل ما لا فهم فيه؛ في الفروع لا الأصول– نجتهد فيه.

فالأمور سهلة، بعيدًا عن معاملتنا لأحكام الله تعالى على أنها أحكام سلطان نريد أن نحقق ذواتنا في معارضته، بينما نحن أمامه جل وعلا هباء!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

الكرامة الإنسانية

عدد الزيارات:41

التاريخ : 22-10-2017

العدل في حياة رسول الله

عدد الزيارات:42

التاريخ : 21-10-2017

الإنسانية في الإسلام

عدد الزيارات:46

التاريخ : 21-10-2017

عطاء الأخلاق في الإسلام

عدد الزيارات:37

التاريخ : 19-10-2017

الأمانة

عدد الزيارات:47

التاريخ : 18-10-2017

المنهج النبوي في بناء الأخلاق

عدد الزيارات:79

التاريخ : 17-10-2017