أدهم شرقاوي

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن بعض الناس يكرهوننا لمزايانا وليس لعيوبنا، فقد كرهوك لأنك جميل وطيّب ولا تشبههم، والناس لا يريدون من يذكرهم بنقصهم!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن الطعنة تأتي أحيانًا من حيث لا نحتسب، وأنكَ حين سلمتَ من الذئب لم تسلم من إخوتك!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن لا أقصص على الجميع كلَّ خيرٍ وهبني الله إياه، لأن البعض عيونهم ضيقة، وقلوبهم أضيق، ينظرون إلى ما في أيدي الآخرين أكثر مما ينظرون إلى ما في أيديهم.

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن المجرمين يلبسون أحيانًا ثياب الناصحين، فقد قال إبليسُ لأبيكَ آدم "هل أدلك على شجرة الخلد"، وقال إخوتك لأبيكَ يعقوب "إنا له لناصحون" "وإنا له لحافظون"!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن بعض الشر أهون من بعض، وأن الناس كما يتفاوتون في صلاحهم يتفاوتون في شرهم، وقد أنجاك أقل إخوتك شرًا إذ قال: "لا تقتلوا يوسف"!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن لا أبوح بمخاوفي كي لا يحاربني الناس بها، فلأن أباك قال: "أخاف أن يأكله الذئب" قال له إخوتك إنّ الذئب قد أكلك

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أنه لا يوجد جريمة كاملة، وأن المجرم تُوقع به تفاصيل صغيرة فاته أن ينتبه لها، فقد نسي إخوتك أن يمزقوا قميصك، فأي ذئب هذا الذي يفترس صبيًا ويبقى قميصه سالمًا!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن الخير والشر ليس في الأشياء، وإنما في طريقة استخدامنا لها! فقميصكَ كان مرةً أداة كذب، وكان مرةً دليل براءة، وكان مرة دواءً!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن هذه الدنيا لا خير فيها، بئس دار تُباع وتُشترى فيها أنتَ بدراهم معدودة!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أنّ المدارس والجامعات والكتب ليست إلا أسبابًا، وأن المعلم الحقّ هو الله "لنعلمه من تأويل الأحاديث"" آتيناه حكمًا وعلمًا" وأن الله يهب العلم على قدر التقوى "واتقواالله ويعلمكم الله" وأن المسألة لم تكن يومًا مسألة عقول بل مسألة قلوب!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن الكريم لا يغدر، وأن الحر لا يقابل الإحسان بالإساءة، وأن النبيل لا يبصق في بئر شرب منه، فما أجملك وأنتَ تقول: "معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي"!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن الأمانة الحقيقية لا تكون إلا مع قدرة على الخيانة، وأن العفة الحقيقة لا تكون إلا مع قدرة على الزنا، وقد كنت قادرًا ولكن مثلك لا يخون ولا يزني.

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن المعصوم من عصمه الله، وأن المفتون من تركه الله لشهواته، وأن من كان مع الله في يسره كان الله معه في شدّته!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن العالم كله لا يمكنه أن يجبرني على فعل ما لا أريد أن أفعل، فتوقفتُ عن التعلل بالظروف والأوضاع! كانتْ شهرزاد سيدتك، أغلقتْ عليكَ الأبواب، راودتك، اجتمع فيها الجمال والسلطة والرغبة ولكنك قاومت لأنكَ لا تريد!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن الله إذا أراد أن يُظهر أمرًا ، لا يستطيع كل الناس ستره، وعندما خاف الجميع أن يشهدوا لكَ، أنطق الله رضيعًا لينصفك.

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أنّ في السجن مظاليم كُثر، وأن الناس قد يدخلون السجن عقابًا على عدم ارتكابهم الذنب، وأن الظلم قديم في الناس.

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن حلاوة الإيمان تغلب مرارة الحياة، وأن حلاوة إيمانك أنستكَ مرارة السجن، وأنك لو خنتَ -ومعاذ الله أن تفعل- لصار القصر على اتساعه ضيقًا عليك.

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن في كل مكان متسعا للدعوة، مملوكًا في القصر تدعو إلى الله، سجينًا في السجن تدعو إلى الله، عزيزًا على كرسي الملك تدعو إلى الله.

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن المعدن الأصيل لا تُغيره الأماكن، في السجن قيل لك "إنا نراك من المحسنين" وعلى كرسي الملك طلبوا منك العفو لأنهم رأوك من المحسنين!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن الحسد وراء كل شر، فهو أول ذنب عُصي الله به في السماء، وما رفض إبليس السجود لآدم إلا حسدًا، وهو أول ذنب عُصي الله به في الأرض فما قتل قابيل أخاه إلا حسدًا، وما أُلقيتَ في الجب إلا حسدًا.

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أنّ الفساد يكون غالبًا من سوء الإدارة لا من قلة الموارد، وأنك حين نجوتَ بأهل مصر من القحط لم تأتِ لهم بموارد جديدة، وإنما بعقلية إدارية جديدة للموارد القديمة.

   شُكرًا يوسف ، من قصتك تعلمتُ أن الدنيا حرب مستعرة بين الحق والباطل لا تهدأ إلى قيام الساعة، الجنود فقط هم الذين يتغيرون، صراعك مع زليخة هو صراع العفة والشهوة في كل عصر، وصراعك مع إخوتك هو صراع الحب والبغض في كل عصر.

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن أُخطط وأدبر، وأنه لا يصل الناس إلى حاجاتهم إلا بالتخطيط والتدبير، القحط كان له خطة وتدبير، وإبقاء أخيك عندك كان له خطة وتدبير!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن الله دومًا يختار سلاحًا للمعركة لا يخطر على بال أحد، كان قادرًا أن يُرسل ملائكة ليحطم جدران السجن ويُخرجك، ولكنه أرسل إلى الفرعون حُلُمًا!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن المناصب تكليف لا تشريف، وما طلبتَ خزائن الأرض لتملكها وإنما لتوزعها، ولو علمتَ أقدر منك على هذا ما طلبتها!

   شُكرًا يوسف ، من قصتك تعلمتُ أن للحب رائحة لا يعرفها إلا المحبون، لذلك وجدَ أبوك ريحك قبل أن يصله قميصكَ!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن العدل بين الأبناء مطلب، وأن الآباء يوغرون صدور أولادهم على بعضهم دون أن يشعروا، وقد قدّر الله أن يفضّلك أبوك على إخوتك، ليعلمنا أن نحذر حين نحب ولدًا أكثر من الآخر، أن نبقي هذا في قلوبنا ولا نحوله إلى سلوك.

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن لا أشكو بثي وحزني إلا إلى الله، فالناس إما محب وإما مبغض، والمحب سيحزن لأجلي، والمبغض سيشمت بي، وكلاهما لا يملك من أمر حزني شيئًا، فلماذا لا أشكو بثي إلى من بيده الأمر كله؟!

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن أتجاهل لإبقاء ود، وأن أتصرف كأني لم أفهم لإبقاء علاقة، وقد أسررتها في نفسكَ وكنتَ قادرًا على أن لا تفعل، ولكن النبيل يتجاهل، وقد قالت العرب، سيد قومه المتغابي.

   شُكرًا يوسف، من قصتك تعلمتُ أن النبيل يعفو عند المقدرة، وأن الصفح أدب، وأن المسامح لا يكسر من جاءه معتذرًا، فرغم أنهم تآمروا لقتلك، قلتَ: "نزع الشيطان بيني وبين إخوتي"، من فرط النبل لم تنسب لهم السوء الذي صدر منهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

سلوكيات راقية نبوية

عدد الزيارات:44

التاريخ : 04-12-2018

حتى أكون أحب إليه

عدد الزيارات:49

التاريخ : 02-12-2018

الإيمان حين يتحرك

عدد الزيارات:67

التاريخ : 28-11-2018

يا طالب القرآن

عدد الزيارات:77

التاريخ : 27-11-2018

الداعية والعلاقات الشخصية

عدد الزيارات:54

التاريخ : 26-11-2018

المبادئ الدعوية قبل الأشخاص

عدد الزيارات:65

التاريخ : 24-11-2018