الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ‏* الَّذِينَهُمْفِيصَلاتِهِمْخَاشِعُونَ* وَالَّذِينَهُمْعَنِاللَّغْوِمُعْرِضُونَ *وَالَّذِينَهُمْلِلزَّكَاةِفَاعِلُونَ* وَالَّذِينَهُمْلِفُرُوجِهِمْحَافِظُونَ* إِلا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِابْتَغَىٰوَرَاءَذَٰلِكَفَأُولَئِكَهُمُالْعَادُونَ* وَالَّذِينَهُمْلأَمَانَاتِهِمْوَعَهْدِهِمْرَاعُونَ وَالَّذِينَهُمْعَلَىٰصَلَوَاتِهِمْيُحَافِظُونَ* أُولَئِكَهُمُالْوَارِثُونَ* الَّذِينَيَرِثُونَالْفِرْدَوْسَهُمْفِيهَاخَالِدُونَ} (سورة المؤمنون الآية 1-11). وسورة «المؤمنون» من السور المكية التي تُعالج أصول الدين من (التوحيد والرسالة والبعث) وقد سُمِّيت بهذا الاسم الجليل «المؤمنون» تخليداً لهم وإشادةً بمآثرهم وفضائلهم الكريمة التي استحقوا بها ميراث الفردوس الأعلى في جنات النعيم. وسبب النزول: (أخرج الإمام أحمد في مسنده عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْد الْقَارِيِّ، سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَمَكَثْنَا سَاعَةً، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَارْضَ عَنَّا وَأَرْضِنَا، ثُمَّ قَالَ : لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ}حَتَّى خَتَمَ الْعَشْرَ آيَاتٍ). (أسباب النزول للإمام الواحدي ص23).

الإيمان والأخلاق

من المعلوم أن هناك ارتباطاً واضحاً بين الإيمان والأخلاق في شريعتنا الإسلامية الغرَّاء، حيث يظهر ذلك بشكل واضح وجليٍّ في كتاب ربنا سبحانه وتعالى وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي القرآن الكريم نجد العديد من الآيات القرآنية تتحدث عن ذلك، منها قوله سبحانه وتعالى: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (سورة البقرة الآية 177). وعند دراستنا للآية الكريمة السابقة نجد أنها قد حدَّدت معنى البر ِّ: بأنه إيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، ثم تلى ذلك مباشرة الحثّ على بعض مكارم الأخلاق، وهي: إنفاق المال في وجوه البر المختلفة والوفاء بالعهد والصبر.

وفي السنة النبوية الشريفة نجد العديد من الأحاديث النبوية التي تتحدث عن ذلك، حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حدّد الغاية الأولى من بعثته، فقال عليه الصلاة والسلام-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ) (أخرجه البيهقي)، كما أكَّد صلى الله عليه وسلم على الترابط بين الإيمان وحُسن الخُلُق، فقال عليه الصلاة والسلام :(أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا) (أخرجه الترمذي).

أهميـة الأخلاق في الإسلام

لقد أولى ديننا الإسلامي الحنيف الأخلاق الفاضلة اهتماماً عظيماً، وحرص على غرسها في القلوب وطبع النفوس عليها، فَحُسْنُ الخُلُق من أهم مقاصد الإسلام، حيث إن الرسل عليهم الصلاة والسلام قد دعوا أقوامهم إلى إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى وإلى التحلي بمكارم الأخلاق، وحُسن الخُلُق من أكثر ما يثقل به موازين الأعمال يوم الحساب، كما جاء في الحديث عن أبي الدرداء رضي الله عنه- قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلاةِ) (أخرجه الترمذي)، فإذا حَسُنَت الأخلاق واستقامت وصَلُحَت كانت دليلاً واضحاً على قوة الإيمان.

الأخلاق عامل مهم في بناء الأمم

لقد حثّ ديننا الإسلامي الحنيف على الأخلاق الحسنة ووجوب التحلّي بها، وجمع بين الإيمان وحُسن الخُلُق، كما جاء في قوله عليه الصلاة والسلام: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا)، ومن حُسن الخُلُق: طلاقة الوجه وبذل المعروف وكفّ الأذى عن الناس والدعوة إلى التآلف والحب والإيثار، لأن سوء الخلق يؤدي إلى الحقد والكراهية والحسد، فما أحوجنا في هذه الأيام إلى الأخلاق الفاضلة التي تعمل على بناء المجتمع على أُسسٍ سليمة وقوية قائمة على الإيمان والقيم والأخلاق الحسنة.

كما أن الأخلاق عامل مهم في نهضة الأمم وبنائها، فالأخلاق سياج الأمم، وميزان تقدمها ورقيها، وعنوان عظمتها وخلودها، وبها تصلح أحوالها، فالأمم لا تحيا من دون أخلاق، وفي ذلك يقول الشاعر:

(وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ.... فَإِنْ هُمُو ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا).

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الاتحاد

اخر المواضيع المضافة

التوازن …. سنة كونية قائمة

عدد الزيارات:34

التاريخ : 17-09-2018

شمول العبادة

عدد الزيارات:30

التاريخ : 16-09-2018

{والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة}

عدد الزيارات:25

التاريخ : 15-09-2018

أي حياة أجل من تلك الحياة

عدد الزيارات:31

التاريخ : 13-09-2018

الهجرة من المعصية إلى الطاعة؟!

عدد الزيارات:36

التاريخ : 12-09-2018

يتلونه حق تلاوته

عدد الزيارات:30

التاريخ : 11-09-2018