مصطفى مهدي

إنَّ المرء خلال سيْرِه في الحياة قد يعثُر وهو يبْصِر أو لا يُبْصِر، وقد يَعجِز وهو يدْري أو يَجهل كيف غلبَه ذلك العجْز، وقد يبتغي قضاءَ نهمته وإشْباع رغْبته لواحدةٍ من متطلَّباته الَّتي تدفع سيْرَه، فيدرك السَّبيل أو يجهله، قد يُمكر به، أو يُحيط به ضررٌ، أو يغفل عن مصلحة سهلة الإدْراك، أو أمْنية بعيدة المنال لينشغل بغيرها، قد يبْدو منه ما يَحتاج لتقْويم وتوْجيه واستدْراك، فالمرء في حياته يَحتاج لمرآة تُراقِب أفعاله، وترصد تحرّكاته، ولكن يُرجى فيها ألاَّ تكون صمَّاء بكْماء، ولكن عاقلة مدركة محسنة، مخلصة محبَّة، مُعذِرة منذِرة، فحينئذٍ تكون النَّصيحة.

النَّصيحة تعدّ سمة من السّمات الفرديَّة والجماعيَّة التي هي من خصائص الجنس البشري، والتي زيَّنها الشَّرع وحلاَّها بجملة من الضَّوابط والقواعد، التي تضمن تحقيق الهدف من النَّصيحة وترك الآثار الإيجابيَّة على كلّ من الباذِل والمتلقِّي.

وقد أوْلى الشَّرع الاهتِمام البالغ لأمر النَّصيحة كمظْهَر من مظاهر التَّعاون والأخوَّة والولاية والمناصرة، ويظهر هذا من خلال جُملة الأدلَّة الشَّرعيَّة القرآنيَّة والحديثيَّة، الَّتي ترشد وتحثّ على بذْل النَّصيحة، وقد يتَّسع مدى النّصح ويتَّضح أكثر بمعرفة المعنى اللُّغوي للنَّصيحة الَّذي يعين على فهْم المراد بالنَّصيحة شرعًا، وما يُمكن اندراجه في المفهوم العامّ للنَّصيحة، حتَّى ولو وُضع لها تعريفٌ عرفي خاصّ يقْصرها على بعض المراد.

فأصل النَّصيحة لغة - كما قال في "لسان العرب" (2 - 615) -:

"نَصَحَ الشيءُ: خَلَصَ، والنُّصْح نقيض الغِشّ، ويقال: نَصَحْتُ له نَصيحتي نُصوحًا؛ أَي: أَخْلَصْتُ وصَدَقْتُ، والاسم: النَّصيحة".

وأمَّا الاصطِلاح الخاصّ لمعنى النَّصيحة، فيمكن الإشارة إليه بما قال ابن الأثير في "النّهاية" (5 - 142):

"النَّصيحة: كلمة يُعَبَّرُ بها عن جملة هي إرادة الخير للمَنْصوح له، وليس يُمكنُ أن يُعَبَّر هذا المعنى بكلمة واحدة تَجْمَع معناه غيرها"، وتبِعه جملة من العُلماء لا يخرج تعريفهم للنصيحة عن هذا المعنى.

فبالنَّظر في هذين النقْلَين يمكن أن يقال: إنَّ النّصح هو "إرادة الخير وبذله بإخلاص وصدق"؛ فكل خير يقرّ الشَّرع بذْله، والحثّ عليه، والإرشاد إليه، من النّصح، وكلّ شرّ يمنع منه الشَّرع فالتَّحذير منه والصَّرف عنه من النَّصيحة، وهذا الَّذي أشار إليه صاحب "عون المعبود" نقْلاً عن الخطَّابي:

"النَّصيحة كلِمة يعبَّر بها عن جُملة هي إرادة الخير للمنصوح له، وليس يُمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلِمة واحدة يحصرها ويجمع معناها غيرها، وأصل النَّصيحة في اللغة الخلوص؛ يقال: نصحت العسل، إذا أخلصته من الشَّمع" [13 - 196].

وقال النَّووي:

"وقيل: النَّصيحة مأخوذة من: نصحَ الرَّجُل ثوبَه إذا خاطه، فشبَّهوا فعل النَّاصح فيما يتحرَّاه من صلاح المنْصوح له بما يسدّه من خلل الثَّوب"؛ "شرح مسلم" (2 - 37).

الأدلة الشرعية والنصيحة:

إذا ما استحْضر المرء هذا المعنى العامَّ للنَّصيحة، ثمَّ تأمَّل في رياض الآيات القرآنيَّة، وخاض حياض الأحاديث النَّبويَّة، وجد أنَّ الأدلَّة الشَّرعيَّة قد أرشدتْ وحثَّت على العناية بأمر النَّصيحة على اختِلاف مراتب الحكم التَّكليفي للنَّصيحة وبذلها، ورتَّبت الثناء والأجر والثواب، والأوصاف المحبوبة، والخصال الممدوحة.

وكذلك النَّاظر في الموارد الشَّرعيَّة يجد أنَّها قد وردت إمَّا مصرحة بلفظ النَّصيحة، وإمَّا مصرّحة بالمعنى العامّ الَّذي يمثّله مفهوم النَّصيحة.

فمن ذلك: قوله - تعالى - في أمر نوح - عليْه السَّلام - وقومه: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأعراف: 62].

وكذلك شأن هود - عليه السَّلام -: ﴿ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ ﴾ [الأعراف: 68].

وقال - جلَّ وعلا -: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 91].

فكلّ دعْوة إلى الله - سبحانه - نوعٌ من النُّصح والإرْشاد إلى الخير والحثِّ عليه.

وقد وردت لفظة النّصح في السنَّة في جملة من الأحاديث؛ فمن ذلك حديث جرير بن عبدالله: "أتيت النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قلت: أُبايعُك على الإسلام، فشرَط عليَّ النّصح لكلّ مسلم"؛ البخاري (1 - 1 ح 58).

وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - مرفوعًا: ((العبد إذا نصح سيّده وأحسن عبادةَ ربِّه، كان له أجْره مرَّتين))؛ البخاري (2 - 899).

وأخرج مسلم عن تميمٍ الدَّاري أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الدّين النَّصيحة))، قلنا: لمن؟ قال: ((لله ولكتابه ولرسولِه ولأئمَّة المسلمين وعامَّتهم))؛ (1 - 74).

وكذلك أخرج مسلم عن أبي المليح أنَّ عُبيدالله بن زياد عاد معْقِلَ بن يسار في مرضِه، فقال له معقل: إنّي محدِّثك بحديث لولا أنِّي في الموت لم أحدِّثْك به، سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((ما من أميرٍ يلي أمرَ المسلمين ثمَّ لا يجهد لهم وينصح، إلاَّ لَم يدخل معهم الجنَّة))؛ (1 - 125).

وفي لفظ آخر: ((ما من عبدٍ يَسترْعيه الله رعيَّة فلم يحطْها بنصْحه، إلاَّ لَم يَجد رائحة الجنَّة))؛ (6 - 2614).

وكذلك أخرج من حديث أبِي هُرَيرة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((حقّ المسْلِم على المسلم ستّ))، قيل: ما هنَّ يا رسول الله؟ قال: ((إذا لقيتَه فسلِّمْ عليه، وإذا دعاك فأجِبْه، وإذا استنصحك فانصحْ له، وإذا عطِس فحمِد الله فسمِّتْه، وإذا مرض فعُده، وإذا مات فاتْبعه))؛ (4 - 1704).

وأمَّا المفاهيم الشَّرعيَّة العامَّة التي تندرج فيها النَّصيحة، فهي كلّ ما شمل مفهومه بذْل الخير للبشريَّة بشتَّى الصور الدعويَّة والمادّيَّة والمعنويَّة؛ فالنَّصيحة حينئذٍ تدخل في مفهوم الموالاة بين المؤْمنين؛ مصداقًا لقوله - تعالى -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 71].

وتدخل النَّصيحة في التَّعاون على البرّ والتَّقوى؛ مصداقًا لقوله - تعالى -: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].

وتسلك النَّصيحة في سلك الأمر بالمعْروف والنَّهي عن المنكر، الَّذي به تتحقَّق خيريَّة هذه الأمَّة؛ لأنَّ النّصح يتَّفق مع الأمر بالمعروف في إيجاده، ويتآلف مع النَّهي عن المنكر في إعدامه؛ قال - سبحانه -: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104].

وقوله - جلَّ وعلا -: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110].

وتندرج في مفهوم الأخوَّة الإيمانيَّة؛ بل هي إحدى المقْتضيات لهذه الأخوَّة، كما في قوله - سبحانه -: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10].

ويؤيّده ما روى البخاريُّ عن أبي هُرَيرة عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبِعْ بعضُكم على بيْع بعْض، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، المسلم أَخو المسلم؛ لا يَظْلِمه ولا يَخذله ولا يحقره، التَّقوى ها هنا - ويُشير إلى صدْره ثلاث مرَّات - بِحسب امرئٍ من الشَّرّ أن يحقر أخاه المسلم، كلّ المسلم على المسْلم حرام؛ دمُه وماله وعرضه))؛ (4 - 1986).

فالنَّاظر في هذه الآيات والأحاديث يرى أنَّ الشَّرع قد أوْلى النَّصيحة أهمّيَّة قصوى؛ لأنَّه نوع من تفعيل الإيمان عمليًّا، ونوع من التَّواصي بالحقّ والتَّواصي بالصَّبر، وكذلك ضربٌ من ضروب الموالاة لبني الملَّة الواحدة في تعاوُن على نصرة الدّين وإقامة شعائره أينما حلَّ المسلم.

وفي هذا المعنى العامّ للنَّصيحة بين المسلمين قال الإمام محمَّد بن نصر المروزي في كتابه "تعْظيم قدْر الصَّلاة" (2 - 694) مفصّلاَ مفردات التَّناصح بين المسلمين:

"وأمَّا النَّصيحة للمسلمين، فأن يُحبَّ لهم ما يحبُّ لنفسِه، ويكره لهم ما يكْره لنفسه، ويشْفق عليهم، ويرْحم صغيرَهم، ويوقّر كبيرَهم، ويحزن لحزنِهم، ويفرح لفرحِهم، وإن ضرَّه ذلك في دنياه؛ كرخص أسعارِهم وإن كان في ذلك ربح ما يبيع من تِجارته، وكذلك جَميع ما يضرُّهم عامَّة، ويحبّ صلاحَهم وأُلْفَتَهم، ودوام النِّعَم عليْهِم، ونصْرهم على عدوِّهم، ودفع كلّ أذًى ومكروه عنهم".

وكذلك قال النَّووي في النَّصيحة بين المسلمين كلِمة جامعةً لعموم مفهوم الأدلَّة السَّابقة؛ قال - رحمه الله -:

"وأمَّا نصيحة عامَّة المسلمين - وهُم مَن عدا ولاة الأمر - فإرْشادُهم لمصالِحِهم في آخرتِهم ودنياهم، وكفّ الأذَى عنهم، فيعلِّمهم ما يَجهلونه من دينهم، ويُعينُهم عليه بالقوْل والفعل، وستْر عوراتِهم، وسدّ خلاتهم، ودفع المضارّ عنهم، وجلْب المنافع لهم، وأمْرهم بالمعروف، ونَهيهم عن المنكر برِفْق وإخلاص، والشَّفقة عليْهم، وتوْقير كبيرهم، ورحْمة صغيرهم، وتخوُّلهم بالموعظة الحسنة، وترْك غشِّهم وحسَدهم، وأن يحبَّ لَهم ما يجبُّ لنفْسِه من الخير، ويكْره لهم ما يكره لنفسِه من المكْروه، والذَّبّ عن أموالِهم وأعراضهم، وغير ذلك من أحوالِهم بالقول والفعل، وحثّهم على التَّخلّق بجميع ما ذكرناه من أنواع النَّصيحة، وتنشيط هِمَمهم إلى الطَّاعات، وقد كان في السَّلف - رضِي الله عنهم - مَن تبلغ به النَّصيحة إلى الإضْرار بدُنياه، والله أعلم"؛ "شرح مسلم" (2 - 39).

وقال الحافِظ ابْن رجَب في النَّصيحة بين المسلمين:

"من أنواع نصحهم: دفْع الأذى والمكْروه عنهم، وإيثار فقيرهم، وتعْليم جاهلهم، وردّ مَن زاغ منهم عن الحقّ في قول أو عمَل بالتلطُّف في ردِّهم إلى الحقّ، والرِّفق بهم في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ومحبَّة إزالة فسادِهم ولو بحصول ضررٍ له في دنياه، كما قال بعض السَّلف: ودِدتُ أنَّ هذا الخلْق أطاعوا الله وأنَّ لَحمي قُرِض بالمقاريض.

وكان عمر بن عبدالعزيز يقول: يا ليْتني عمِلت فيكم بكتاب الله وعمِلتم به، فكلَّما عمِلت فيكم بسنَّة وقع منّي عضو حتَّى يكون آخِر شيء منها خروج نفسي"؛ "جامع العلوم" (ص 102).

حكم النصيحة:

النَّاظر في شأْن النَّصيحة بتدبُّر يجد أنَّها من الوسائل لا من المقاصد، أو ممَّا يغلب فيه جانب الوسيلة على جانب المقْصد، فليستِ النَّصيحة مقْصودة في ذاتِها وإن كانت تزين بضوابط التَّعبّد، إلاَّ أنَّه لو فرضنا أنَّ كثيرًا قد التزم بالفرائض والنَّوافل الشرعية، فلا مجال للنصيحة، وعلى ذلك فالنصيحة وسيلة لتحقيق الأهداف الشَّرعيَّة في حياة الفرد والمجتمع بالْتزام كتاب الله تعالى وسنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - قولاً وفعلاً، ظاهرًا وباطنًا، وعلى ذلك يُمكن أن نقول: إنَّ النَّصيحة تستمدُّ حكْمَها من الشَّأن الَّذي يُنصح به، فتكون واجبةً بواجب، ومندوبةً بمندوب، وإلى هذا أشار ابن مفلح في "الآداب الشرعية" (1 - 195) عند الكلام على الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، إذْ قال:

"والإنكار في ترْك الواجب وفعل المحرَّم واجب، وفي ترْك المندوب وفعْل المكروه مندوب، ذكَره الأصحاب وغيرهم".

ولكن هل تكون مباحة؟

الظَّاهر - والله أعلم - أنَّها لا تكون مباحة؛ لأنَّ الأدلَّة وردت بطلبها والأمر بها والحثّ عليها، وأقلّ مراتب الطَّلب الندب عند الأصوليّين.

وكذلك هل يَجب على كلِّ أحد القيام ببذْل النُّصْح؟

الظَّاهر أنَّه يلزم كلَّ مسلم القيام ببذل النُّصح قدْر استطاعتِه، وهذا يعتبر فيه أمور:

1- العلم بما ينصح به، وكونه نصيحة مطلوبة، لا تكلُّفًا أو افتراء على الشَّرع.

2- التزام آداب النَّصيحة، من اعتبار المقام والرّفق واللّين وقصْد الخير، لا الشَّماتة ونحو ذلك.

3- القدرة على بذْل النّصح بأمن الضَّرر المتيقَّن أو المظْنون.

وفي ذلك يقول ابن بطَّال: "فرض يجزئ فيه مَن قام به ويسقط عن الباقين، قال: والنَّصيحة لازمة على قدر الطَّاقة إذا علم النَّاصح أنه يُقبَل نصْحه ويُطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه، فإن خشِي على نفسه أذًى، فهو في سعة"؛ "شرح مسلم" للنووي (2 - 39).

وهل يشترط العلم بالاستجابة للنصح؟

الظاهر لا يشترط، وهذا يؤيّده قول الله - تعالى-: ﴿ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [الأعراف: 164].

قال ابن كثير [6 - 93]:

"عِظَتنا إيَّاهم معذرة إلى ربّكم، نؤدّي فرْضه عليْنا في الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، ولعلَّهم أن يتَّقوا الله فيخافوه فيُنيبوا إلى طاعته، ويتوبوا من معصيتهم إيَّاه، وتعدّيهم على ما حرَّم".

فالآية ظاهرة في بذْل النُّصح لِمَن يمكن ألاَّ يستجيب له، وهذا يجرُّنا إلى الإشارة إلى المقاصد من النَّصيحة، وهي:

1- امتثال فريضة شرعيَّة.

2- القيام بحقّ واجب للإخْوان.

3- إقامة للحجَّة والإعْذار.

ويُمكن استِفادة بذْل النُّصح ولو غلب على الظَّنّ عدم الاستِجابة، بما قال ابن مفلح في "الآداب الشَّرعية" (1 - 306):

"ظاهر كلام أحمد والأصحاب وجوبُ النُّصح للمسلِم، وإن لم يسأله ذلك، كما هو ظاهر الأخبار"، ثمَّ قال: "وإن ظنَّ أنَّه لا يقبل نصحه أو خاف أذًى منه، توجّه أن يُقال فيه ما سبق في الأمر بالمعروف".

وقد قال في فصل الأمر بالمعروف (1 - 182):

"وقال القاضي أبو يعلى في كتابه "المعتمد": ويجب إنكار المنكر وإن لم يغلب في ظنّه زواله في إحدى الرّوايتين".

وهذا يُفيد أمرَين:

الأوَّل: بذل النُّصح ابتِداء.

الثَّاني: القيام بواجب النُّصح بقطع النَّظر عن النَّتيجة.

آداب النصيحة:

1- الإخلاص لله - تعالى - وقصْد نصرة شريعتِه.

2- استِحْضار امتِثال أمر الله -تعالى- في القيام بواجبٍ من الواجبات، وهو بذْل النُّصح للإخْوان.

3- استِحْضار أداء حقّ الأخوَّة والموالاة والمناصرة بين المسلمين.

4- قصْد استِخْلاص المنصوح ممَّا وقع فيه بالنَّصيحة.

5- الإسرار بالنَّصيحة دون بذْلِها على الملأ، وفي ذلك يقول ابنُ رجب في "جامع العلوم" (ص 103):

"وكان السَّلف إذا أرادوا نصيحةَ أحدٍ، وعظوه سرًّا، حتَّى قال بعضُهم: مَن وعظ أخاه فيما بينه وبيْنه فهي نصيحة، ومَن وعظه على رؤوس النَّاس فإنَّما وبَّخه، وقال الفضيل بن عياض - رحِمه الله -: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعيِّر".

6- التزام الأدَب والرِّفْق، ورعاية المقام والأحوال المخْتلفة.

ولمَّا كان من الصَّعب حصْر الصور المتعدّدة الَّتي يُمكن من خلالِها تفْعيل النُّصح وبذله من المسلم لإخوانه، مصداقًا لقول شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى": "وأمَّا النَّصيحة الخاصَّة لكلّ واحدٍ منهم بعيْنه، فهذه يمكن بعضها، ويتعذَّر استيعابها على سبيل التَّعيين"؛ (1 - 19).

فإنَّ المسلم يَجب عليه التنبُّه والتيقُّظ، ويكون دائمًا على أهبة الاستِعْداد لبذل النّصح المادّي والمعنوي، الدّيني والدنيوي لإخوانه المسلمين، طاعةً لله -تعالى- ورسوله، وعملاً بمقتضى الأخوَّة والموالاة وغير ذلك من الرَّوابط والأواصر الشَّرعيَّة.

وبهذا أرجو أن أكون أشرْتُ إلى طرف يَسير من أهمّيَّة النَّصيحة في حياة المسلمين، وأنَّها من الخصائص والشَّعائر التي توطّد العلاقات، وتثبت مصداقية الأخوَّة الإيمانيَّة، وتُبَرْهن على المحبَّة والمودَّة والتِزام الأمر الشَّرعي، وقد خفت ضوءُها في عالم غلبتْ عليه المصْلحة الشَّخصيَّة، والتَّقصير في حقوق الإخوان، حتَّى بين الَّذين ينتسبون للدّين، ولا أُبالغ إذا ما قلت: إنَّ هذا الدَّاء قد أصاب طبقةَ المنتسِبين لطلب العلم والدَّعوة، والتَّجارب دلَّت على هذا الأمر الَّذي أثَّر في نفْس المرء كثيرًا، خصوصًا إذا ما أتاك السَّهم ممَّن أنَخْتَ رِحال محبَّتك ببابِهم، وأسكنْتَ قلبَك جوارَهم، ورجوْتَ وِدادَهم، فيروْنك وقد أصابك ما لا تراه من الآفات ولا ينصحونك، ممَّا يُثير في نفسك أحدَ أمرَين: إمَّا تلذّذهم برؤيتِك تشقى في آفة من الآفات، وإمَّا أنَّهم قد سيطرت الغفلة على قلوبِهم فلا يرون الواجب عليهم تجاه أخيهم، بل ما يكلم القلبَ بالأسى عدمُ اعترافهم بتقْصيرهم، والإعْراض عن استِدْراك ما فاتَهم، ممَّا يجعل المرءَ يشدُّ الرِّحال ويعقد المطايا إلى مسكنٍ أمينٍ، ووطنٍ ينعم فيه بصِدْق المحبِّين.

فيا أخي المسلم، لا تقصِّر في بذْل النَّصيحة لكلّ الخلق بِحبٍّ وصِدْق، وصبرٍ ولين، بُغْية نصْرة الدّين، والقيام بحقّ المسلمين صِغارًا وكبارًا، رجالاً ونساءً، في كلّ موطن وكل وقتٍ وحين.

والحمد لله ربِّ العالمين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

التوازن …. سنة كونية قائمة

عدد الزيارات:33

التاريخ : 17-09-2018

شمول العبادة

عدد الزيارات:29

التاريخ : 16-09-2018

{والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة}

عدد الزيارات:25

التاريخ : 15-09-2018

أي حياة أجل من تلك الحياة

عدد الزيارات:30

التاريخ : 13-09-2018

الهجرة من المعصية إلى الطاعة؟!

عدد الزيارات:36

التاريخ : 12-09-2018

يتلونه حق تلاوته

عدد الزيارات:29

التاريخ : 11-09-2018