النفقة في سبيل الله بالمال:

وهو دعامة أساسية يحتاجها الجهاد في كل مراحله، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}.

فقد قال ابن كثير: (ومضمون الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار لمن لزمه واعتاده ثم عطف بالأمر بالإحسان وهو أعلى مقامات الطاعة، فقال: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}).

أما صاحب "الظلال" رحمه الله فيقول: (والجهاد كما يحتاج للرجال يحتاج للمال، ولقد كان المجاهد المسلم يجهز نفسه بعدة القتال ومركب القتال وزاد القتال... لم تكن هناك رواتب يتناولها القادة والجند، إنما ترك هناك تطوع بالنفس وتطوع بالمال وهذا ما تصنعه العقيدة حينما تقوم عليها النظم، إنها تحتاج حينئذ أن تنفق لتحمي نفسها من أهلها أو من أعدائها، إنما يتقدم الجند ويتقدم القادة متطوعين ينفقون هم عليها، من أجل هذا كثرت التوجيهات القرآنية والنبوية إلى الإنفاق في سبيل الله، الإنفاق لتجهيز الغزاة، وصاحبت الدعوة إلى الجهاد دعوة إلى الإنفاق في سبيل الله، الإنفاق لتجهيز الغزاة، وصاحبت الدعوة إلى الجهاد دعوة الإنفاق في معظم المواضع، وهنا يعد عدم الإنفاق تهلكة ينهى عنها المسلمون؛ {وأنفقوا في سبيل الله... الآية}، والإمساك عن الإنفاق في سبيل الله تهلكة للنفس بالشح وتهلكة للجماعة بالعجز والضعف وبخاصة نظام يقوم على التطوع كما كان يقوم الإسلام، ثم يرتقي بهم من مرتبة الجهاد والإنفاق إلى مرتبة الإحسان، {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين}؛ ومرتبة الإحسان هي عليا المراتب في الإسلام، وهي كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، وحين تصل النفس إلى هذه المرتبة، فإنها تفعل الطاعات كلها، وتنتهي عن المعاصي كلها، وتراقب الله في الصغيرة والكبيرة وفي السر والعلن على السواء) اهـ.

ومن شروط النصر أيضاً؛ التضحية بالنفس في سبيل نصرة دين الله:

ونجد ذلك في قوله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون}، وفي قوله عز من قائل: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد}.

يقول ابن كثير: (قال ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب وأبو عثمان النهدي وعكرمة وجماعة؛ نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة فقالوا له: "ربح البيع"، فقال: "وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟"، فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية.

ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "ربح البيع صهيب"، وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله، كما قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}، ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين؛ أنكر عليه بعض الناس فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما وتلوا هذه الآية: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد}).

وسيد يقول في ظلاله: (ويشري هنا معناها يبيع، فهو يبيع نفسه كلها لله، ويسلمها كلها لا يستبقي منها بقية، ولا يرجو من وراء أدائها وبيعها غاية إلا مرضاة الله، ليس فيها شيء وليس له من ورائها شيء، بيعة كاملة لا تردد فيها، ولا تلفت ولا تحصيل ثمن ولا استبقاء بقية لغير الله، والتعبير يحتمل معنى آخر يؤدي إلى نفس الغاية، يحتمل أن يشتري نفسه بكل أعراض الحياة ليعتقها ويقدمها خالصة لله لا يتعلق بها حق آخر إلا حق مولاه، فهو يضحي كل أعراض الحياة ويخلص بنفسه مجردة لله).

ومن شروط النصر؛ الصبر على المحنة والابتلاء، ومواصلة الطريق رغم الجراحات والحرمان:

ويتجلى ذلك في قوله تعالى: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب}.

قال ابن كثير في التفسير: ({أم حسبتم أن تدخلوا الجنة}؛ قبل أن تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا كما فعل بالذين من قبلكم من الأمم، ولهذا قال: {ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء}، وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب، قال ابن عباس وابن مسعود وأبو العالية ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم؛ البأساء الفقر، الضراء السقم، {وزلزلوا}؛ خوفوا من العداء زلزالاً شديداً وامتحنوا امتحاناً عظيماً، {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله}؛ أي يستفتحون على أعدائهم ويدعون بقرب الفرج والمخرج عند ضيق الحال والشدة، {ألا إن نصر الله قريب}؛ كما قال تعالى: {فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً}، وكما تكون الشدة ينزل من النصر مثلها، ولذا قال: {ألا إن نصر الله قريب}، وفي حديث ابن رزين: "عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه، فينظر إليهم قنطين فيظل يضحك، يعلم أن فرجهم قريب... الحديث").

ويقول صاحب الظلال: (هكذا خاطب الله الجماعة المسلمة الأولى، وهكذا وجهها إلى تجارب الجماعات المؤمنة قبلها، وإلى سنته سبحانه في تربية عباده المختارين الذين يكل إليهم رايته وينوط بهم أمانته في الأرض ومنهجه وشريعته، وهو خطاب مطرد لكل من يختاره لهذا الدور العظيم، إن هذا السؤال من الرسول ومن الذين آمنوا معه، من الرسول الموصول بالله عبر وحيه، والمؤمنين الذين آمنوا معه، إن سؤالهم؛ {متى نصر الله}، ليصور مدى المحنة التي تزلزل مثل هذه القلوب الموصولة، ولن تكون إلا محنة فوق الوصف، تلقي ظلالها على مثل هاتيك القلوب فتبعث منها ذلك السؤال المكروب؛ {متى نصر الله}، وعندها تثبت القلوب على مثل هذه المحنة المزلزلة، عندئذ تتم كلمة الله، ويجيء النصر من الله؛ {ألا إن نصر الله قريب}، إنه مدخر لمن يستحقونه، ولن يستحقه إلا الذين يثبتون حتى النهاية، الذين يثبتون على البأساء والضراء، الذين يصمدون للزلزلة، الذين لا يحنون رؤوسهم للعاصفة، الذين يستيقنون أن لا نصر إلا نصر الله وعندما يشاء الله، وحتى حينما تبلغ المحنة ذروتها فهم يتطلعون إلى نصر الله فحسب لا إلى أي حل آخر ولا إلى أي نصر آخر لا يجيء من عند الله، ولا نصر إلا من عند الله، بهذا يدخلون الجنة، مستحقين لها، جديرين بها، بعد الجهاد والامتحان والصبر والثبات والتجرد لله وحده، والشعور به وحده وإغفال كل ما سواه وكل من سواه.

إن الصراع والصبر عليه؛ يهب للنفوس القوة، ويرفعها على ذواتها ويطهرها في بوتقة الألم، فيصفو عنصرها ويضيء ويهب العقيدة عمقاً وقوة وحيوية، فتتلألأ حتى في عيون أعدائها وخصومها، وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجاً كما وقع، وكما يقع في كل قضية حق، يلقى أصحابها ما يلقون في أول الطريق حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم، وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين.

على أنه - حتى إذا لم يقع هذا - يقع ما هو أعظم منه في حقيقته، يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى الأرض وشرورها وفتنها، وأن تنطلق من أسر الحرص والدعة والراحة التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء، كسب يرجع جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون، المؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته، وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف... وهذا هو الطريق، هذا هو الطريق، إيمان وجهاد، ومحنة وثبات وابتلاء وصبر وتوجه إلى الله وحده، ثم يجيء النصر، ثم يجيء النعيم) اهـ.

ونحن نقول: تعالوا ننظر إلى هؤلاء الذين يتحركون باسم الإسلام اليوم، ويرفعون لافتاته وشعار الجهاد والدعوة إلى الله، وهدفهم - كما يدعون - هو إقامة شرع الله في الأرض، أو بعبارة أخرى "ينتظرون نصر الله"، ونصر الله لا يأتي إلا وفق شروط لابد من توفيرها - كما أسلفنا القول - امتحان وفتنة واختبار ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، ثم بعد ذلك صبر واستعلاء بالإيمان وتحد للجاهلية، مهما عظم كيدها واشتد بطشها، ثم عدم الانحناء لرياحها وضرباتها المتتالية.

هل يا ترى يوفون بشيء من هذا حتى ينتظروا نصر الله؟ أم انهم سقطوا في أحضان الطغاة وصبغوا أعمالهم بصبغة الإسلام - زوراً وبهتاناً - لكي يخدعوا الغافلين من أبناء الأمة، فينضموا إلى تجمعاتهم ويخمدوا نار الثورة والجهاد؟!

إن طريق الحق واضح، وأسباب النصر معلومة، ولابد من توفيرها في أنفسنا ابتداء؛ {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم}، ولابد من الصبر بلا انكسار ولا تذلل، واستعلاء بالإيمان بلا تكبر وخيلاء، وانتظار للفرج دون تواكل ولا يأس ولا ملل، وعندئذ يحق لنا أن ننتظر نصر الله والتمكين لدينه في الأرض.

{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً}.

ــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

التوازن …. سنة كونية قائمة

عدد الزيارات:38

التاريخ : 17-09-2018

شمول العبادة

عدد الزيارات:32

التاريخ : 16-09-2018

{والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة}

عدد الزيارات:29

التاريخ : 15-09-2018

أي حياة أجل من تلك الحياة

عدد الزيارات:33

التاريخ : 13-09-2018

الهجرة من المعصية إلى الطاعة؟!

عدد الزيارات:38

التاريخ : 12-09-2018

يتلونه حق تلاوته

عدد الزيارات:32

التاريخ : 11-09-2018