من المعلوم يقينًا أن النصر على الأعداء له أسباب تحققه للمسلمين على عدوهم، بإذن الله تعالى، ومن هذه الأسباب ما يأتي:

1ـ الإيمان والعمل الصالح:

وعد الله المؤمنين بالنصر المبين على أعدائهم، وذلك بإظهار دينهم، وإهلاك عدوهم وإن طال الزمن، قال تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ، يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 51، 52]. وقال سبحانه: {وكان حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47].

والمؤمنون الموعودون بالنصر هم الموصوفون بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2-4]. وقال الله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]. وقال الله تعالى: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} [النساء: 141].

2ـ نصر دين الله تعالى:

ومن أعظم أسباب النصر: نصر دين الله تعالى والقيام به قولاً، واعتقادًا، وعملاً، ودعوة. قال الله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} [الحج: 40، 41]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 7، 8]. وقال – عز وجل -: {وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173].

3ـ التوكل على الله والأخذ بالأسباب:

التوكل على الله مع إعداد القوة من أعظم عوامل النصر؛ لقول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المائدة: 11]. وقال سبحانه: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 160]. وقال تعالى: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]. وقال – عز وجل -: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [الأحزاب: 3]. وقال سبحانه: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 58]. وعن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا وتروح بطانًا".

ولابد من التوكل من الأخذ بالأسباب؛ لأن التوكل يقوم على ركنين عظيمين:

الأول: الاعتماد على الله والثقة بوعده ونصره تعالى.

الثاني: الأخذ بالأسباب المشروعة؛ ولهذا قال الله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]. وعن أنس – رضي الله عنه – أن رجلاً قال: يا رسول الله أعقلها وأتول أو أطلقها وأتوكل؟ قال: "اعقلها وتوكل".

4ـ المشاورة بين المسؤولين لتعبئة الجيوش الإسلامية:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه مع كمال عقله وسداد رأيه امتثالاً لأمر الله تعالى وتطييبًا لنفوس أصحابه، قال الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]. وقال سبحانه: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].

5ـ الثبات عند لقاء العدو:

من عوامل النصر الثبات عند اللقاء، وعدم الانهزام والفرار فقد ثبت النبي صلى الله عليه وسلم في جميع معاركه التي خاضها، كما فعل في بدر، وأحد وحنين، وكان يقول في حنين حينما ثبت وتراجع بعض المسلمين: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. اللهم نزل نصرك"، وهو صلى الله عليه وسلم قدوتنا وأسوتنا الحسنة قال الله – عز وجل -: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وثبت أصحابه من بعده – رضي الله عنهم -.

وعن عبد الله بن أبي أوفى – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناس، لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".

6ـ الشجاعة والبطولة والتضحية:

من أعظم أسباب النصر: الاتصاف بالشجاعة والتضحية بالنفس والاعتقاد بأن الجهاد لا يقدم الموت ولا يؤخره، قال الله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} [النساء: 78].

قال الشاعر:

من لم يمت بالسيف مات بغيره***تعددت الأسباب والموت واحد

ولهذا كان أهل الإيمان الكامل هم أشجع الناس وأكملهم شجاعة هو إمامهم محمد عليه الصلاة والسلام، وقد ظهرت شجاعته في المعارك الكبرى التي قاتل فيها ومنها على سبيل المثال:

أولاً: شجاعته البطولية الفذة في معركة بدر، قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسًا).وقال – رضي الله عنه -: (كنا إذا حمي البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكون أحد أدنى إلى القوم منه).

ثانيًا: في معركة أحد قاتل قتالاً بطوليًّا لم يقاتله أحد من البشر.

ثالثًا: في معركة حنين: قال البراء: كنا إذا احمر الباس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذى به يعني النبي صلى الله عليه وسلم. وركوبه صلى الله عليه وسلم على البغلة في معركة حنين وغيرها يدل على شجاعته العظيمة؛ ولهذا ذكر العلماء أن ركوبه صلى الله عليه وسلم البغلة في موطن الحرب وعند اشتداد البأس: هو النهاية في الشجاعة والثبات؛ لأن ركوب الفحولة أو الفرس مظنة الاستعداد للفرار والتولي، وكذلك نزوله إلى الأرض حين غشوه يدل على المبالغة في الثبات، والشجاعة والصبر، ومما يؤكد ذلك رواية لمسلم عن سلمة – رضي الله عنه – قال فيها: مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزمًا وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله: "لقد رأى ابن الأكوع فزعًا" فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل به وجوه القوم فقال: "شاهت الوجوه"، فما خلق الله منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة فولوا مدبرين، فهزمهم الله، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين". وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا تسع عشر غزوة قاتل في ثمان منهن، بل ذكر النووي – رحمه الله – وغيره أنه كان عدد سراياه صلى الله عليه وسلم التي بعثها ستًّا وخمسين سرية، وسبعًا وعشرين غزوة، وقاتل في تسع من غزواته.

وهكذا أصحابه – رضي الله عنهم – ومن بعدهم من أهل العلم والإيمان. فينبغي للمجاهدين أن يقتدوا بنبيهم صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

وقد كان صلى الله عليه وسلم أشجع الناس، فعن أنس – رضي الله عنه – قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق الناس قِبَلَ الصوت، فاستقبلهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "لم تراعوا، لم تراعوا" وهو على فرس لأبي طلحة عُرِيٍّ ما عليه سرج..".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

رسالة الإنسان في كل حياته

عدد الزيارات:0

التاريخ : 23-10-2018

السيرة النبوية وإدارة الحياة

عدد الزيارات:24

التاريخ : 22-10-2018

الشعور بالمسؤولية الجماعية

عدد الزيارات:28

التاريخ : 21-10-2018

الأمر بالمعروف واجب الجميع

عدد الزيارات:37

التاريخ : 19-10-2018

التَّغافل مطلوب

عدد الزيارات:41

التاريخ : 17-10-2018

لا إيمان لمن لا أمانة له.

عدد الزيارات:42

التاريخ : 15-10-2018