لله سبحانه وتعالى سنةً إلهيةً لا تتغيَّر ولا تتخلَّف في الظلم والظالمين.. إنه "قانون الظلم".. قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)﴾ (هود).

المعنى الشرعي للظلم

هو وضع الشيء في غير موضعه الشرعي، وأصله الجور ومجاوزة الحق قَلَّ أو كَثُر ذلك التجاوز، والظلم ضده العدل الذي هو إعطاء كل شيء حقه من المكانة أو المنزلة أو الحكم أو العطاء.

خصائص الظلم

1) الظُّلم حرامٌ على كل إنسان ولو كان كافرًا أو ظالمًا

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا كان العدل أمرًا واجبًا في كل شيء وعلى كل أحدٍ، والظلم محرمًا في كل شيء ولكل أحد، فلا يحل ظلم أحد أصلاً، سواء كان مسلمًا أو كافرًا أو كان ظالمًا.. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8).

2) حقُّ المظلوم لا يسقط بتوبة ظالمِه فقط

ولكن بردِّ المظلمة إلى صاحبها، فإن لم يعوَّض في الدنيا فلا بدَّ له من العوض في الآخرة، وعندئذ ينبغي للظالم التائب أن يُكْثِرَ من الحسنات حتى إذا استوفى المظلومون حقوقهم لم يبق مفلسًا.

3) المظلوم مستجابُ الدعوة وإن كان كافرًا أو فاجرًا

فقد جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجابٌ" هكذا.. أيُّ مظلوم! وأيُّ نوع من الظلم! هكذا هو الإسلام، وقد جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا: "دعوة المظلوم مستجابةٌ وإن كان فاجرًا، ففجوره على نفسه".

4) من عقاب الظالم تسليط ظالم عليه

فمن سنة الله تعالى في الظُّلم والظالمين أن يعاقب الأمة التي يتظالم أفرادها فيما بينهم بتولِّي حاكم ظالم عليهم؛ عقابًا لهم على ظلمهم ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)﴾ (الأنعام)، فهذا تهديدٌ لكل ظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلَّط الله عليه ظالمًا آخر، وهذا القانون يدخل تحته كل الظلمة، زوجًا كان أو تاجرًا أو قائدًا أو حاكمًا، وفي الحديث: "كما تكونوا يولى عليكم".

5) هلاك الأمم بظلمها

وهو خلاصةُ قانون الظلم الذي أقصده من موضوعي هذا، قال الله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (الأنعام: من الآية 45)، وقال تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)﴾ (الأنعام)، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (يونس: من الآية 13)، وكلمة "لما" ظرف يدل على وقوع الهلاك لوقوع سببه وهو الظلم، والظلم الذي تهلك به الأمم نوعان:

الأول: ظلمُ الأفرادِ لأنفسهم بالفسق والفجور، والخروج عن طاعة الله، والتظالم فيما بينهم.

والثاني: ظلم الحكام لهم على نحو يهدر حقوقهم، ويُذهب بعزتهم، ويعودهم على حياة الذل والمهانة؛ ما يجعل الأمة ضعيفة غير صالحة للبقاء فيسهل على أعدائها الاستيلاء عليها واستعبادها، فيكون هذا مَحْقًا لها وفناءً لشخصيتها، فيصدق عليها قول الله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11)﴾ (الأنبياء)، وهي سنة دائمة في الأمم، تختلف مواقيت هلاكها بسبب ظلمها باختلاف أحوالها وأحوال أعدائها، ولكن الهلاك واقع لا محالة، وهذا هو الأجل الذي أشار إليه قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (49)﴾ (يونس).

6) تبقى الدولة مع الكفر ولا تبقى مع الظلم

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة.

وقال أيضًا: "الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام".

وقد قال المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾ (هود): إن المراد من الظلم في الآية الشرك، فالله عزَّ وجلَّ لا يهلك أهل القرى بمجرد كونهم مشركين إذا كانوا مصلحين في المعاملات فيما بينهم، يعامل بعضهم بعضًا على الصلاح وعدم الفساد.

وقالوا أيضًا معنى الآية: أن الله تعالى لم يكن ليهلكهم بالكفر وحده حتى يضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وكما أهلك قوم لوط لما شاعت فيهم الفاحشة ووقعوا في رذيلة اللواط، وهكذا.

7) من الظلم المهلك المحاباة في تطبيق القانون

إذا أخذ الحاكم بمبدأ المحاباة في تطبيق العدل بين رعيته كان ذلك من الظلم الذي تباشره الدولة أو تعين على وقوعه أو تسكت عنه فلا تمنعه، وعندما تصبح الدولة ظالمة فانتظر هلاكها، وهذا ما حذَّر منه نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، عندما سرقت امرأة مخزومية وقد أهم قريشًا أمرها فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ على ذلك إلا أسامة بن زيد حب رسول الله، فكلمه فيها فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟ إنما أهلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها" ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها".

8) من آثار الظلم.. خراب البلاد

قال تعالى: (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52)) (النمل).

فخراب بيوت المسلمين إنما يحدث برفع البركة منها جزاءً وفاقًا لظلم ساكنيها.

9) قد يتأخر عقاب الظالمين فلا تتعجب ولا تحزن!

فمن أسمائه جلَّ وعلا الحليم، فحلمه تعالى واسعٌ يسع الناس جميعًا، فلا يعجل عقوبتهم لظلمهم قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (61)﴾ (النمل).

وسائل وقاية الأمة من عقوبة الظلم

أولاً: الإنكار على الظالم

أخرج الترمذي في جامعه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: "يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: من الآية 105)، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه".

وجاء في شرحه: أي إذا لم يمنعوه عن ظلمه مع القدرة على منعه، فإن الله عزَّ وجلَّ سيصيب الكل بعقوبة منه، أما في الدنيا أو في الآخرة أو في كليهما، الظالم لظلمه والساكت لسكوته ورضاه.

ثانيًا: عدم الاستكانة للظالم

ينبغي أن نربي أنفسنا وأبناءنا على رفض الظلم، وأن نتعلم دروسًا في العزة والإباء، وأن نعلم أن هذه صفة أصيلة في المسلم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمْ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴾ (الشورى)، وقد فسرها القرطبي بقوله: "أي إذا نالهم ظلم من ظالم لم يستسلموا لظلمه".

وفي صحيح البخاري قال إبراهيم النخعي: "كانوا-أي: الصحابة- يكرهون إن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا".

ثالثًا: عدم الركون إلى الذين ظلموا

وهذا من أنجع وسائل الوقاية من وقوع الظلم أو شيوعه وانتشاره وما يترتب على ذلك من العقاب أو الهلاك بالأمة، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ (113)﴾ (هود)، والمقصود لا تميلوا إليهم ولو ميلاً يسيرًا.. ولا تصاحبوهم.. ولا تجالسوهم.. ولا ترضوا على باطلهم.. لا تداهنوهم، ولا تتملقوهم.. لا تجالسوهم وتشاركوهم.. لا تتشبهوا بهم.. لا تقلدوهم..لا تتزينوا بأزيائهم.. فإذا أخذتم منهم هذا الموقف فمما لا شك فيه أنهم سيعجزوا ويضعفوا عن ارتكاب الظلم، فما تجرَّأ ظالمٌ على ظلمه إلا بأعوان له يعينوه على ظلمه، وبآخرين من أهل الحق من أمثالك أخي الحبيب سكتوا عنه.. فإذا نزل العذاب بالظالم نزل بأعوانه أيضًا لأنهم مثله... ظالمون، كما حصل لفرعون وأعوانه قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)﴾ (القصص)، فالله تعالى جمعهم بوصف الخطيئة، ومن خطيئتهم: الظلم الذي كان يقترفه فرعون ويعاونه عليه هامان وجنودهما، فلما نزل العذاب بفرعون نزل بأعوانه، قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)﴾ (الذاريات)، وقال تعالى في آية أخرى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40)﴾ (القصص)، فجعلهم الله تعالى جميعًا ظالمين: فرعون وجنوده الذين عاونوه على ظلمه، فأهلكهم جميعًا.

خاتمة..

عليكم يا دعاة الإسلام.. يا من تأخذون بأيدي الناس إلى صراط العزيز الحميد...يا من تحملون راية الإسلام العظيم... بلا ترخُّص ولا تشدد أقول: عليكم بالحذر كل الحذر من الوقوع في معاني الركون إلى الذين ظلموا، ولو بحسن نية؛ لأن حسن النية لا يقلب الخطأ صوابًا ولا الحرام حلالاً، وإن كان قد يرفع الإثم عن صاحب النية الحسنة بشروط معينة، وعلى هذا فلا يجوز لكم يا دعاة الإسلام مخالطة الظلمة ومجالستهم والظهور معهم أمام الناس من غير إعلان الإنكار عليهم؛ ما يوحى للناس أنكم تداهنوهم وتؤيدوهم على ظلمهم.. وبالتالي ينفض الناس عن دعوتكم, فقد جُبِل الناس على عدم قبول القول "ولو كان حقا".. ممن يخالفه عملاً لا سيما في مداهنة الظالمين والركون إليهم.

فاحذروا يا دعاة الإسلام من هذه المزالق فالناس ناظرون إليكم.

* يا دعاة الإسلام.. بينوا للناس أن أمور الحياة تجري وفق سنن الله في تدافع الحق والباطل وفي الابتلاء.. قولوا لهم إن الله تعالى لن يخرق من أجل عيونهم قوانين الحياة وسننها، فهم ليسوا بأحسن حالاً ولا أكرم على الله تعالى من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وقد قصَّ الله علينا ما لقوه من شدائد وأذى وما تحملوه في سبيل الله، وما قدَّموه من تضحية وفداء حتى أتاهم نصر الله بإزالة الطواغيت من الأرض.

يا دعاة الإسلام.. قولوا للناس إن إزاحة الظالمين من الأرض لا يكون بمجرد تأففهم أو تضجرهم أو تحسرهم أو بتحججهم بأنهم مسلمون، فلا بد أن يُهلك الله تعالى الظالمين وهم في بيوتهم قاعدون يمنون على الله بإسلامهم!. لا وألف لا.. فالله يريد منكم بذلاً وعطاءً وجهدًا.. ولكم في أصحاب رسول الله أسوة وقدوة حسنة.. قولوا لمن يقول: أين عمر بن الخطاب؟ وهل أنتم رعية عمر؟؟ إن الرعية التي تريد عدل عمر عليها أن تكون رعيةً عادلةً كرعية عمر بن الخطاب؛ لأن القاعدة: "كيفما تكونوا يولَّى عليكم".

وصلِّ الله وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

السيرة النبوية وإدارة الحياة

عدد الزيارات:24

التاريخ : 22-10-2018

الشعور بالمسؤولية الجماعية

عدد الزيارات:28

التاريخ : 21-10-2018

الأمر بالمعروف واجب الجميع

عدد الزيارات:37

التاريخ : 19-10-2018

التَّغافل مطلوب

عدد الزيارات:40

التاريخ : 17-10-2018

لا إيمان لمن لا أمانة له.

عدد الزيارات:42

التاريخ : 15-10-2018

كنت مثلك.

عدد الزيارات:68

التاريخ : 14-10-2018