الوصية الأخيرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر تتعلق باللسان وأثره وخطره، ولزوم حفظه وصونه، ومراقبته ودوام الحذر منه، قال تعالى:{ ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد}.

فاللسان على الرغم من أنه أصغر عضو في جسم الانسان، الا أن خطره كبير وشره مستطير ان لم يلجم بلجام التقوى..

فكم من مقامات سقطت الى الدركات بسبب من زلات اللسان؟

وكم من فتن وقعت وخلافات استشرت وأحقاد انتشرت وكوارث حلت بسبب من حصائد الألسن وهل يكب الناس على وجوههم في جهنم الا حصائد ألسنتهم؟

ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر من خطر اللسان فيقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) البخاري ومسلم، ويقول: (ان العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها الى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب) البخاري ومسلم.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي المسلمين بعدم الاكثار من الكلام.. وحفظ اللسان عنه الا كلاما تظهر المصلحة فيه.. ومتى استوى الكلام وتركه في المصلحة فالسنة الامساك عنه، لأنه قد يجر صاحبه الى ما هو حرام ومكروه، والسلامة لا يعدلها شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فان كثرة الكلام بغير ذكر الله تعالى قسوة للقلب، وان ابعد الناس من الله تعالى ذو القلب القاسي) الترمذي.

ولقد بيّن رسول الله ما للسان من أثر على الانسان وعلى سلوكه وتصرفاته، وان في استقامته استقامة الجسد كله، وفي انحرافه انحراف الجسد كله، فقال: (اذا أصبح ابن آدم فان الأعضاء كلها تكفر اللسان تقول: اتق الله فينا، فانما نحن بك، فان استقمت استقمنا وان اعوججت اعوججنا). رواه الترمذي.

فوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في شطرها الأول وقل كلمة حق انما هي تحريض على قول الحق.. ومن أولى من دعاة الاسلام بقولة الحق؟

ان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من قول الحق، يجدر بدعاة الاسلام أن يقوموا به لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل كلام ابن آدم عليه لا له الا أمرا بمعروف، أو نهيا عن منكر، أو ذكرا لله تعالى) الترمذي وابن ماجه.

ودوام ذكر الله تعالى والثناء عليه وطلب رضوانه وغفرانه من قول الحق، وحريّ بدعاة الاسلام أن يعودوا أنفسهم عليه ليكونوا معنيين بقوله صلى الله عليه وسلم: (ان العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالا يرفع الله بها درجات) البخاري.

والنصح للمسلمين والتواصي بالحق والتواصي بالصبر من قول الحق حريّ بدعاة الاسلام ان ينهضوا بها لقوله تعالى:{ والعصر ان الانسان لفي خسر الا الذين آمنوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}.

والصدع بالحق في وجوه الطغاة والمفسدين، من قول الحق الذي أمر الله به ورسوله، فقال تعالى:{ وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} وقال صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقول الحق لا أخشى في الله لومة لائم) وقال: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر).

أما الشطر الثاني من وصية الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قوله: (أو كلمة شر تسكت عنها) فهي دعوة الى حفظ اللسان عن أن يرتع في الحرام والشبهات والسيئات. ودعاة الاسلام أحوج الناس الى حفظ ألسنتهم عن كل ما يؤدي الى سفهها وانحرافها وسقوطها.

ان عليهم أن يصونوا ألسنتهم عن غيبة الآخرين في دينهم أو أبدانهم أو أعراضهم أو خلقهم أو دنياهم أو سائر تصرفاتهم سواء كانت فيهم هذه الخصال أم لم تكن.. وليسمعوا الى وصية رسولهم صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع حيث يقول: (ان دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، ألا هل بلغت) البخاري مسلم ويقول: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).

كما أن عليهم أن يحذروا النميمة فإنها مجلبة للفتن وموقعة للشحناء والبغضاء، مجلبة لسخط الله تعالى، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة نمام). البخاري ومسلم.

ودعاة الاسلام أولى الناس باجتناب فاحش الكلام وبذيئه لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن الطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) الترمذي.

ودعاة الاسلام أولى الناس بالحذر من السخرية والاستهزاء بالآخرين استجابة لأمر الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهن ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهنّ ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابذوا بالألقاب، بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}.

ودعاة الاسلام أولى الناس بحفظ ألسنتهم من عادة التقعّر باللسان. والتقعّر هو التشدق وتكلف السجع والفصاحة وتصنّع زخرف القول لقوله صلى الله عليه وسلم: (ان الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة) الترمذي، ولقوله: (وان أبغضكم اليّ وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون) الترمذي.

ودعاة الاسلام أولى الناس بحفظ السنتهم عن قول الزور الذي اعتبره الاسلام من الكبائر لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا بلى يا رسول الله قال: الاشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت). البخاري ومسلم.

ودعاة الاسلام أولى الناس بالمحافظة على دين المسلمين وعدم تجريحهم أو تكفيرهم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (اذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما، فان كان كما قال والا رجعت عليه )البخاري ومسلم.

ودعاة الاسلام أولى الناس بتحري صادق الكلام، خشية الوقوع فيما يعتبر كذبا. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذبا أن يحدّث بكل ما سمع). رواه مسلم.

انه لا يليق بألسنة الدعاة التي تلهج بذكر الله تعالى أن تتحرك بما يسخطه!.

وان الأفواه التي أرادها الله تعالى مستودعا للعلم والطهر والكلم الطيب يجب أن يصونها الدعاة من الدنس والعهر والكلام السيء.

وصدق الله تعالى حيث يقول:( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

السيرة النبوية وإدارة الحياة

عدد الزيارات:24

التاريخ : 22-10-2018

الشعور بالمسؤولية الجماعية

عدد الزيارات:28

التاريخ : 21-10-2018

الأمر بالمعروف واجب الجميع

عدد الزيارات:37

التاريخ : 19-10-2018

التَّغافل مطلوب

عدد الزيارات:39

التاريخ : 17-10-2018

لا إيمان لمن لا أمانة له.

عدد الزيارات:42

التاريخ : 15-10-2018

كنت مثلك.

عدد الزيارات:68

التاريخ : 14-10-2018