عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تَلَا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: "رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي" الْآيَةَ، وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام: "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ وَهُوَ أَعْلَمُ فَقَالَ اللَّهُ يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: "إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ" (رواه مسلم).

إنها الرحمة: هذا الخلق الذي يبعث على مكارم الأخلاق.

وهي أي الرحمة من الطبيعة البشرية، ومن كمال الإيمان والإنسانية.

فحين تخالط القلب، تجعل فيه رقة العاطفة، وشفافية الروح، وحسن الإيثار، وجميل التعامل مع البشر.

وهي من وقار الأخلاق التي ألبست النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جميل الأثر، وهو المبعوث رحمة للعالمين: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ" الأنبياء 107.

ورحمته صلوات الله عليه لم تُعرف في البشر قط، كان يرحم الضعيف، ويرق قلبه للمسكين، وذوي الحاجة، ويرحم حتى الدواب والحيوانات ويوصي بذلك.

فقد ورد أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ، وَأَنَا أَرْحَمُهَا - أَوْ قَالَ: إِنِّي لَأَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا - فَقَالَ: "وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ، وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللهُ"(رواه أحمد ( 3/ 437) والبخاري في الأدب المفرد رقم (373)، وصححه الألباني).

ودافع الرحمة في قلب العبد: إيمان يسري في داخله، فيبذل، ويعطي، ويلين الجانب. ويقدم الحب بجميع صوره.

ومن كمال الإيمان: أن يرحم الإنسان أخيه الإنسان، فيسامحه، ويعطف عليه، ويلتمس له العذر، ويستره ولا يفضحه، ويعفو عن عثراته وزلاته، مالم يكن في ذلك أثم ومخالفة لدين الله تعالى.

والرحمة هذا الشعور الذي ينم عن الحس الإنساني، يكمن في تعاملنا مع أهلنا، وأبنائنا، وأرحامنا. وفي علاقاتنا الأسرية، والاجتماعية، وفي المواساة للآخرين. والسعي لتوصيل الخير لهم، باذلين في ذلك عطاءً وإحساناً وصدقاً. يوصلنا لمحبة الله ورحمته، وقد قبَّل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحسنَ بنَ عليٍّ، وعِندَه الأقرَعُ بنُ حابسٍ التميميُّ جالسًا، فقال الأقرَعُ: إن لي عشَرةً من الولَدِ ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظَر إليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثم قال: "مَن لا يَرحَمْ لا يُرحَمْ"(متفق عليه).

يقول ابن القيم: "إن الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه الرحمة الحقيقة. فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشق عليه ذلك بالضرب وغيره، ويمنعه شهواته التي تعود عليه بالضر. وحتى إذا أهمل ذلك منه أي الأب، دل على قلة رحمته بولده"(إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان2/174).

ومن دلائل عظمة القرآن في تصويره الرحمة بين الأزواج:

في قوله تعالى: "وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" سورة الروم21.

والمودة أعمق الحب. والرحمة أبلغ من المودة، وأكثر صدقا في التعامل؛ لما فيها من إنكار للذات والتسامح، والعفو، والكرم.

والرحمة صفة لله عز وجل لا تشبه صفة البشر، فهو(الرحمن الرحيم)، فنحن نتعبد لله تعالى بأسمائه وصفاته.

الرحمن بعامة البشر، الرحيم بالمؤمنين من المهتدين الصالحين. وكلما زاد هدى العبد، زادت رحمة الله له.

ومن آثار الرحمة:

أنها تثير مكنون النفس بالفطرة، وتبعث على صالح العمل. ثم تغدو الرحمة بالإيمان، كأنك تعيش في كنف الأمن والأمان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي"(متفق عليه).

وفي الحديث المتفق على صحته عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ".

نحتاج للتراحم فيما بيننا، نحتاج لهذا الخلق العظيم والصفة الربانية. والتي شملت الخلق أجمع، ولولا رحمة الله وهدايته لما كان عمر بن الخطاب يعرف بالرحمة. وما كانت عيناه تعرف الدمع ولا قلبه اللين ـ رضي الله عنه ـ فقد كان من أقسى الناس في الجاهلية، لا يعرف المهادنة، ولا الحوار، ولا السهولة، فلما سكب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في قلبه إناء الرحمة، كان أرحم الناس وأرقهم.

إن الرحمة جامعة لكل أنواع العطاء الإنساني، لاسيما في أصل ديننا الإسلامي. ومن شذ عن هذا الخلق فهو من الأشقياء، ومن ورثة الجاهلية.

أما المؤمن فإنه رحيم حليم كريم الخلق. يعرف ذلك في طباعه وحسن تعامله، وصدق عاطفته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

كن مع الله ولا داعي للقلق

عدد الزيارات:30

التاريخ : 18-11-2018

على شاطئ الحياة

عدد الزيارات:31

التاريخ : 18-11-2018

هلموا نزدد إيمانًا

عدد الزيارات:2

التاريخ : 18-11-2018

لا تكبل روحك بمخاوف الأوهام

عدد الزيارات:46

التاريخ : 15-11-2018

كن إماما.

عدد الزيارات:33

التاريخ : 14-11-2018

يا أيها الناس

عدد الزيارات:48

التاريخ : 10-11-2018