إن الأرض التي نعيش عليها خلقها الله عزَّوجل، وجعلها سابحة في الفضاء الواسع بتجاذب متوازن ، وخلق كلَّ ما عليها بتوازن كامل وتقدير معلوم ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.

فبهذا التقدير والتوازن خلق الإنسان ، حيث جعله حسن الصورة، منتصب القامة، متناسب الجسم، سوي الأعضاء ، وجعل أعضاءه الثنائية على بعد متناسب، فلو انحرف عضو عن موضعه المتناسب لاختل توازنه وذهب حسنه. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.

وبه أنزل الماء من السماء ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾، وبه قسم الأرزاق بين العباد ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، و به نزَّل كل شيء من خزائنه وذخائره ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾.

فالتوازن هو زينة القيادة وملمحها الجميل لدى الراي العام فيقولون ذلك رجل رزين ورصين ومتوازن لا يلقي الكلام على عواهنه ،فالتوازن في الشخصية القيادية صفة رئيسية لا يمكن التخلي عنها لأننا للأسف الشديد تعيش في عصر التطرف والانحراف حيث لا يمكنك في بعض الاحيان التفريق بين قائد وجندي في اتخاذ المواقف وطريقة التصرف والانفعال مع القضايا الحيوية المطروحة في ساحة العمل.

يقول الدكتور عبد الكريم بكار : إن الميل إلى التطرف أصل في حياة الناس، بل يكاد يكون شيئاً مغروساً في التراث الجيني للبشرية، والشخص الذي يرغب في أن يحيا حياة متوازنة أشبه بالذي يسير فوق حبل مشدود، إن عليه أن يحرص على ألا يسقط ذات اليمين أو ذات الشمال، وهكذا الإنسان المسلم مهدد دائماً بأن يجنح نحو إفراط أو تفريط، أو ان يعتني بأشياء على حساب أشياء أخرى. التوازن شيء جميل لأنه يرمز إلى الكمال. ومن الملاحظ أن الشيء ينتزع الإعجاب إذا اجتمع فيه ما تفرق في غيره. وهو إلى جانب هذا أحد مؤشرات الالتزام المهمة، فتكاليف الإسلام كثيرة والشخص المتوازن يحاول أن يقوم بها جميعاً. ويمكن القول: إن الذي يؤمن نصاب التوازن في حياتنا شيئان: واجباتنا وأهدافنا. وليس المقصود بالواجب هنا الواجب الشرعي، ولكن الواجب الحضاري، وكل ما نشعر أنه مطلوب منا ولو كان نافلة من النوافل.

نحن جيل جذورنا الفكرية والنفسية وموروثاتنا الجينية كلها ممتدة في الماضي، ولهذا فإن المرء لو ترك نفسه وشأنها فإنه سيجدها نزاعة إلى الماضي غارقة فيه. وحتى لا يختل توازننا فإن علينا أن نصرف القليل من اهتمامنا للماضي، ونوجه الباقي للحاضر والمستقبل. فالأمة تعاني من مشكلات كثيرة على المستوى الداخلي وعلى مستوى علاقاتها. وعلينا أن نبدع في صياغة المناهج والأساليب والأدوات التي تساعدنا في اجتراح الواقع والقبض على المعطيات الحاضرة، وليس المطلوب منا حتى نتعامل مع الأزمنة بتوازن واعتدال أن نسعى إلى توزيع اهتماماتنا على نحو معين، وإنما المطلوب أيضاً أن نسلك المسلك المتوازن على صعيدنا الشخصي.

فلا ريب كما يقول بكار ايضا: أن الإنسان كلما ارتقى صارت قدرته على التضحية بالعاجل من أجل الآجل أكبر وأعظم وعلى هذا فالمسلم الملتزم يحمل سمات حضارية كبيرة، وعدم القدرة على تأجيل بعض الرغبات يؤشر دائماً إلى الوهن والتأزم، ويمكن ان نتخذ من هذا المفهوم مجساً لمعرفة أحوالنا الشخصية.

فعلى الواحد منا أن يهتم بحاضره على مستوى الفهم وعلى مستوى الاستثمار والانتفاع وعلى مستوى الاستمتاع أيضاً، وهذا لا يكون إلا إذا أخذنا من الحاضر لأنفسنا باعتدال وتوازن.

إن التغيرات السريعة والتعقيدات الكثيرة التي تميز عصرنا عن غيره، تجعل أي توازن نصل إليه مهدداً بالزوال، مما يعني أن البحث عن التوازن في كل جوانب حياتنا يجب أن يشكل العمل الذي لا نمل من تكراره.

ولذلك فقيادة الرشد والاستخلاف تهتم بسنة التوازن الكونية على مستويات عدة :

   فعلى مستوى العقل لابد من تنمية العقل والذكاء وتعلم المهارات ومواصلة التعليم وحل التطبيقات والتمارين الخاصة بترقية العقل والذكاء .

   وعلى مستوى الجسد لابد على قيادة الرشد والاستخلاف من اتباع نظام غذائي منضبط ومتطور وممارسة الرياضة العملية لتقوية الجسم ومعالجة الامراض التي يمكن ان تجترح الصحة وممارسة الرياضة النفسية التي تعالج الضغوط والتوترات وتديرها ادارة حسنة .

   اما على مستوى العاطفة فلابد من المحافظة على بنك العواطف وتقوية العلاقة بكل فرد في الاسرة والعائلة والمحيط القريب والبعيد وممارسة تقنية التسامح المتكامل الذي يجعل الناس ينجذبون اليك بطريقة سحرية من خلال البذل والعطاء المستمر والذي لا يعرف المن والاذى .

   اما على مستوى الروح فان التوازن يتحقق من خلال الاستغراق في العبادة والحرص على حضور جلسات الذكر والتفكر والاوراد والاذكار ولاسيما ورد الوظيفة الكبرى وورد الوفاء وورد المحاسبة .ورمضان فرصة لاتعوض لتحقيق هذا الهدف الكبير من اجل تحقيق التوازن الحقيقي في الشخصية القيادية.

المهارة في التعامل مع الناس … طريقك نحو الاستيعاب والاستثمار

وهي اساس وقاعدة جوهرية في قيادة الرشد والاستخلاف على اعتبار ان عملية تحريك الناس نحو الاهداف تحتاج الى مهارة التواصل والاتصال معهم وفهم حاجاتهم والتعبير عن تطلعاتهم والشعور بأناتهم وآلامهم ،ولا يمكن ان يتحقق ذلك الا بإتقان عدة مهارات صارت في حكم الواجب في حق القيادة وهي :

الفهم والاتصال الذي يجسده حسن الاستماع والاصغاء والاحساس بمشاعر الغير وفهم النفسية الانسانية حيث يُعتبر الاتصال عمليةً تفاعلية يتم فيها نقل الأفكار والمعلومات، وحتى تُعتبر هذه العملية ناجحة يجب توافر شروط معينة في الاتصال وهي: الوضوح؛ ;البساطة؛ وسلامة الوسيلة؛ ;عدم التعارض؛ الإيجاز؛ والملاءمة.

واهم ما في الاتصال بالناس هو الاستماع لهم ،حيث يعطي فيها القائد المستمع اهتماماً خاصاً للطرف الآخر، حيث يعتبر الاستماع مهارةً وفناً، لأنه يعتمد على عمليّات عقليّة معقّدة؛ نظراً لضرورة تآزر كلٍ من التفكير والسمع مع بعضهما البعض، ومن المعروف أنّ لهذه المهارة دورٌ أساسيّ في عملية التعلّم، حيث قدّم الله عزل وجل السمع على البصر؛ نظراً لأهمية هذه المهارة، ودورها في حياة الإنسان، فقال سبحانه: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا).

ـــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

سلوكيات راقية نبوية

عدد الزيارات:44

التاريخ : 04-12-2018

حتى أكون أحب إليه

عدد الزيارات:44

التاريخ : 02-12-2018

الإيمان حين يتحرك

عدد الزيارات:66

التاريخ : 28-11-2018

يا طالب القرآن

عدد الزيارات:74

التاريخ : 27-11-2018

الداعية والعلاقات الشخصية

عدد الزيارات:53

التاريخ : 26-11-2018

المبادئ الدعوية قبل الأشخاص

عدد الزيارات:65

التاريخ : 24-11-2018