شريف السليماني

مفهوم الأمانة في الإسلام يعني أن يكون المسلم أهلا للثقة وأن يحس بالمسؤولية وألا يتصف بالغدر والغش والخيانة. والمفروض في المسلم أن يكون معروفا بين الناس بثقته وأمانته، لأن دينه يأمره بذلك. أما الذي تشير إليه الأصابع بعدم الثقة وعدم الإحساس بالمسؤولية، فذلك دليل على ضعف إيمانه وربما عدمه. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" (رواه أحمد). في هذا الحديث يربط النبي صلى الله عليه وسلم بين الإيمان والأمانة، ويبيّن أن من فقد أمانته فقد إيمانه أو يوشك أن يفقده.

ولأهمية خلق الأمانة، كان النبي صلى الله عليه وسلم معروفا بين الناس بأمانته حتى قبل البعثة، وكان يلقب بالصادق الأمين؛ ولكثرة ثقة أهل مكلة به فقد كانوا يستأمنونه على ودائعهم، صلوات الله وسلامه عليه.

إن من بين سمات هذا الزمن الذي نعيش فيه قلة الأمانة.. أصبح الناس لا يكادون يثقون في بعضهم البعض. ونتيجة لفقدان الثقة، قل التواصل والمخالطة والتعامل بين الناس، وضاقت دائرة العلاقات وشاعت بين الناس كثرة الحيطة والحذر والاحتراز من الغير.

نتيجة لهذا الجو المليء بعدم الثقة، قل العمل المشترك وأصبح الكثير من الأغنياء مثلا يخافون من الاستثمار والمغامرة برؤوس أموالهم؛ ورغم أنهم قادرون على فتح مشاريع وتوفير مناصب شغل وانتشال الكثير من الأسر من الفقر، إلا أن عدم الثقة وغياب الأمانة يجعلهم يتوقفون عن فعل ذلك، لتبقى أموالهم مجمدّة لا تستفيد منها إلا البنوك. فقدان الثقة وغياب والأمانة إذا مضر بالأغنياء، مضر بالفقراء ومضر بالمجتمع كله.

إن فقدان الثقة هذا لم يأت من فراغ، وإنما سببه الانتشار الفظيع لوقائع وحالات الغدر والخيانة التي أصبحت منتشرة بين الناس.

ومع كامل الأسف، فإن الغدر والغش والخيانة يحدث في الكثير من الأحيان حتى من قبل الأقارب والأصحاب والمعارف الذين من المفروض أن يعتمد عليهم الإنسان ويجعلهم محل ثقته.

إن الإحساس بالغدر والخيانة إحساس مرّ أليم مهما كان مصدره، ولكن عندما يتعرض الإنسان للغدر والخيانة من أقرب وأحب الناس إليه، كالزوج أو الزوجة أو الأخ أو الأخت أو الصديق الحميم، أو من شخص لم يتوقع غدره أبدا، فإن ألم هذا الغدر ومرارته تكون أشد وأقسى. ولا يقدر هذه المرارة إلا من ذاقها فعلا. وصدق الشاعر حين قال:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة**على المرء من وقع الحسام المهند

لا أحد منا يريد أن يكون هدفا لخيانة وغدر الآخرين.

وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن من كمال الإيمان أن يحب المرء للناس ما يحب لنفسه، وأن يكره لهم ما يكره لنفسه كذلك. وإذا كنا نكره أن يعاملنا الغير بالغدر والخيانة فعلينا أيضا ألا نخون الآخرين وألا نغدرهم أبدا.

لقد ورد الأمر بالأمانة والنهي عن الغدر والغش والخيانة في القرآن والسنة بشكل متكرر وقوي جدا. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من غشنا فليس منا"، وفي رواية: "من غش فليس مني" (رواه مسلم). وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم: "إن الغادر يرفع له لواء يوم القيامة يقال هذه غدرة فلان ابن فلان" (رواه البخاري). وهكذا يتعرض الغادر للخزي والفضيحة أمام الله وأمام الخلق أجمعين يوم يقوم الناس لرب العالمين.

وللأمانة صور متعددة في الإسلام، ومنها: الودائع. فإذا استودعك شخص شيئا فهو أمانة، يجب عليك الحفاظ عليها وردها إلى صاحبها متى أراد ذلك وحسب الاتفاق بينكما. يقول الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" النساء:58. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" (رواه الترمذي).

فمن خلال نص هذا الحديث، فإن المسلم مطالب برد الأمانة إلى صاحبها مهما كان حاله ومهما كانت علاقتهما. وكون المسلم على خلاف مع شخص مثلا، لا يبرر أبدا غدره وخيانته. بل حتى من خاننا لا يجوز أن نقابل خيانته بخيانة مثلها. هذا هو الإسلام وهذه تعاليم نبينا الكريم. وإذا كان الإسلام لا يجيز خيانة الخائن، فما بالك بخيانة الصديق الحميم أو بخيانة المحسن المُنعم؟.

رغم أن الإسلام أكد الأمر برد الأمانات إلى أهلها، إلا أن الكثير من المسلمين لا يقومون بذلك، مع الأسف الشديد. ونحن على علم جميعا بقصص ونماذج يندى لها الجبين، لأناس يستدينون أموالا على أن يردوها لأصحابها فإذا بهم يغدرون فيتماطلون وإن وجدوا فرصة للإنكار إذا هم ينكرون؛ أو أناس سكنوا بيوتا أو استغلوا متاجر على سبيل الإيجار أو ربما على سبيل الإحسان، فإذا بهم يرفضون الإفراغ ورد الملك إلى أصحابه، ومنهم من يشترط تعويضا خياليا على صاحب الملك إن هو أراد ملكه! وكثيرا ما يلجأ أصحاب الملك إلى القضاء أو إلى الحيل وربما يضطرون لاستعمال العنف من أجل استرجاع أملاكهم!

أبهذا أمرنا ديننا الحنيف؟ أين خلق الأمانة؟ ألا يخاف هؤلاء الله؟ ألا يفكرون في يوم القيامة؟ كيف ينام مطمئنا شخص وهو يعلم أنه أخذ مال أو متاع أخيه بغير وجه حق؟.

من أنوع الأمانة كذلك:

تحمل المسؤوليات وتولي المناصب. لقد حذر الإسلام من إسناد الأمور إلى غير أهلها وإعطاء المسؤولية من لا يستحقها. ولأن تحمل المسؤوليات أمانة، وجب على المسلمين التحري والبحث النزيه في من يستحق أن تسند إليه المناصب، ليس بالرشوة ولا بالزبونية والمحسوبية وإنما بالكفاءة والاستحقاق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعمل رجلا على عصابة (مجموعة) وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين" (الحاكم). وإذا تولى المسلم مسؤولية ما ونال ثقة من خوّله تلك المسؤولية فعليه أن يقوم بواجباته أحسن قيام وأن يتقي الله ويراقبه في ما أسند إليه من مهام، وإلا كان غاشا والعياذ بالله. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من إمام ولا وال بات ليلة سوداء غاشاً لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" (رواه الطبراني)، ويقول أيضا: "ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله تعالى أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته" (الترمذي).

إن انتشار الفساد بشتى أنواعه واستغلال السلطة والنفوذ في أوساط المسلمين دليل على غياب الأمانة وعلى ضعف الإحساس بالمسؤولية. وإن التخلق بخلق الأمانة يقتضي من المسلم -ومهما علا منصبه- أن يحترم أوقات عمله، فلا يأتي متأخرا ولا يغادر مبكرا كعادة الكثيرين!

كما يقتضي خلق الأمانة من المسلم أن يتقن عمله وأن يؤديه على الوجه المطلوب. وعندما يقوم بهذا، فلا يقوم به بالضرورة لأن غيره يراقبه، وإنما يفعل ذلك لأنه تربى على الأمانة ويفعل ذلك أيضا لأنه على وعي بالآثار الخطيرة للتفريط في الأمانة، ويفعل ذلك قبل كل هذا لأنه على يقين بأن الله يراقبه وسيسأله يوم القيامة عن كل صغيرة وكبيرة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" (البخاري ومسلم).

من الأمانات كذلك؛ والتي يستهين بها الكثيرون: الأسرار. لقد حرم الإسلام كشف أسرار الناس وفضحها واعتبر ذلك من الخيانة (ما لم تكن تلك الأسرار تحمل تهديد لسلامة الأفراد أو المجتمعات). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ؛ سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ أَوْ اقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ" (أخرجه أبو ادود)، فإذا حدث أن اطّلعت (ليس عن طريق التجسس طبعا) على سر شخص أو مجموعة، فكن أمينا ولا تفشه أبدا. فالاجتماعات واللقاءات التي تجري داخل الأسوار المغلقة أمانة، وكبرت خيانة أن يحضر شخص لقاء استأمنه الحاضرون على أسراره فإذا به يفشيها دون مروءة ولا خجل. بل حتى ما يقع بين الزوج وزوجته في علاقتهما الحميمية الخاصة قد حرم الإسلام إفشاءه للغير. قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِى إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِى إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا" (صحيح مسلم). وكما يحرم هذا الأمر في حق الزوج فإنه يحرم في حق الزوجة.

في الأخير أقول: إن كل شيء سيسألنا الله عنه يوم القيامة هو أيضا أمانة، فحواسّنا من سمع وبصر أمانة، وأولادنا أمانة وأموالنا أمانة، وكل نعم الله علينا أمانة، يجب أن نتعامل معها ونتصرف فيها بالشكل المطلوب.

جعلني الله وإياكم ممن هم لأماناتهم وعهدهم راعون.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

الأعمال الاجتماعية النافعة عبادة

عدد الزيارات:3

التاريخ : 20-11-2018

دروس في الإيجابية والإنجاز

عدد الزيارات:33

التاريخ : 19-11-2018

كن مع الله ولا داعي للقلق

عدد الزيارات:52

التاريخ : 18-11-2018

على شاطئ الحياة

عدد الزيارات:44

التاريخ : 18-11-2018

هلموا نزدد إيمانًا

عدد الزيارات:15

التاريخ : 18-11-2018

لا تكبل روحك بمخاوف الأوهام

عدد الزيارات:52

التاريخ : 15-11-2018