صالح مبارك

إن المجتمع لا يستقيم أمره ولا يستقر أمنه ولا يقوى عوده ولا يسعد أفراده ولا تحفظ كرامته ولا يصير كالبنيان المرصوص لا تؤثر فيه الهزات ولا تزعزعه العواطف، إلا حينما يأتي الإيمان وتستقر العقيدة في القلوب، فتملي العقيدة على أصحابها الواجب الذي يفرضه الإيمان ويجعله جزءًا لا يتجزأ من واجب العبودية لله، وعلمًا من معالم التدين الحق، ومظهرًا من مظاهر المجتمع الصالح الذي جاء القرآن ليبينه ويؤسسه ويجعله واقعًا يراه الناس ويعيشه المجتمع حين يلتزم بالقرآن ويسير على هديه وسبيله: (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ).

أيها المسلمون: إن قيام الفرد بواجبه الاجتماعي ينم عن تلك العقيدة التي تسري بين جوانحه وتوجهه إلى أداء الحقوق تجاه الآخرين بكل أريحية ومحبة، طالبًا في ذلك رضوان الله ورحمته، وإذا ما فقد المرء تلك الواجبات وتركها وراءه ظهريًا، فليعلم أنَّ خللاً قد دبَّ إلى إيمانه وعقيدته، وقد عدَّ القرآن الكريم ذلك الصنيع من فعل المكذبين: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ).

إن سورة الماعون تقرر في آياتها الأولى أن الذي يزجر اليتيم وينهره أو يهمل المسكين الذي عضه الفقر والبؤس ولا يهتم بأمره، هو إنسان مكذب بلقاء ربه وحسابه وجزائه، ولو آمن بذلك لاندفع قلبه المؤمن لإكرام اليتيم وستر المسكين مرضاةً لله وابتغاءً لفضله.

والسورة في آياتها الأخيرة تفضح المتظاهرين بالصلاح والمتشدقين بالتدين، فتصب عليهم الويل والهلاك والشقاء الأبدي؛ لأنهم إن صلوا كانت صلاتهم رياءً، يريدون بها الظهور بمظهر الصلاح والحفاظ على شعائر الدين، فإن غابوا عن أماكنهم ضيعوا الصلاة وغفلوا عن أدائها.

ثم تبيِّن الآيات الكريمة أن الدليل على خرابهم النفسي وضلالهم الباطني أنك لا تجد لصلاتهم أثرًا في حياتهم الاجتماعية؛ حيث أضاعوا الحقوق العامة، واستهانوا بالواجبات الاجتماعية، وعلامة ذلك أنهم يمنعون خيرهم عن إخوانهم الذين ربما احتاجوا إلى عونهم ومساعدتهم، ولا يقومون نحوهم بما يجب على صاحب العقيدة الإسلامية لإعانة الأفراد على ما يصلح أمرهم ودفع ما يكدر حياتهم.

وانظروا -عباد الله- إلى هذا الترابط المتين بين العقيدة السليمة والواجبات الاجتماعية العامة؟!

في أي مذهب من مذاهب التشريعات الأرضية جعلت الرحمة الاجتماعية والتعاون الإنساني والحرص على نفع الآخرين أساسًا يبنى عليه تقويم الإنسان وجزاؤه ويعد هذا مظهرًا من مظاهر المجتمع الواعي المحتضر؟!

إن الإسلام ولا شيء غيره هو الذي كرَّم الإنسان وأنصفه، وجعل هذه الواجبات الاجتماعية من أعمدة المجتمع الحضاري، ويحذر القرآن من جريمة ترك الواجبات الاجتماعية -نعم جريمة وليس بالضرورة أن تكون الجريمة بالفعل بل تكون بالترك- وهو يصف مصير الهالك الذي يأخذ كتابه بشماله يوم القيامة فيقول: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ...)، إنه مصير أولئك الذين يؤخذون إلى جهنم وتصب عليهم أنواع الإهانات، وذكر من جريمتهم نوعين ومن صفاتهم أمرين:

1- لا يؤمن بالله العظيم.

2- لا يحض على طعام المسكين.

وعدم الإيمان والكفر به أعظمُ جريمةٍ في الأرض وأكبر ذنب، فإذا قرن به ذنب آخر علم أن مرتبته تلي الكفر وعدم الإيمان، والذنب الذي قُرن بالكفر في الآية عدم الحض على طعام المسكين.

وإنه والله لذنب عظيم حينما يستهتر المرء بحقوق إخوانه ويهمل أمر مجتمعه ويضيع واجبات من حوله، فهذا لا يهمه إلا أمر نفسه، ولا يسعى إلا خلف رغباته، ولا يجري إلا وراء شهواته ومطامعه وأهوائه.

يعمل كل ما يمكنه من الوصول إلى مآربه الذاتية وحاجاته الشخصية، سواء وافق ذلك مصلحة الجماعة أم خالفها وصادمها، فهذا أمر ليس عنده ذي بال.

إن هذا الإنسان التافه لخليق أن يصلى الجحيم ويغلُّ بالسلاسل الثقال التي تعبر كل حلقة من حلقاتها عن كل حق أضاعه، وكل واجب أهمله، وعن كل أسرة تضررت بصنيعه الفظيع وفعله الشنيع.

لقد تبيَّن لنا الترابط الوثيق بين الإيمان ورعاية حقوق المجتمع، وفي المقابل بين الكفر وإضاعة واجبات الجماعة وعدم الاكتراث بتوازن المجتمع، كما علمنا ما للحقوق الاجتماعية من أهمية بالغة، وهي قضايا لا تنفك عن واجبات العبادات الدينية الأخرى.

معاشر الإخوة: لو جئنا نستعرض ما ورد في مسؤولية الفرد تجاه حقوق الجماعة من الآيات والأحاديث لما استطعنا أن نصل إلى ساحله، فإنها بحر ضخم، لكن أود أن أُؤكد في آخر هذه الخطبة على تربية الإسلام على الشعور بالمسؤولية الجماعية، وما يكون لصاحبه من الجزاء، وهو في خدمة أمته وإخوانه، ففي حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين". رواه مسلم، وفي رواية: "مرَّ رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأُنحينَّ هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة".

انظروا -معاشر الإخوة- إلى هذا الشعور المرهف بالمسؤولية، لقد رأى هذا الرجل أغصانًا من شجرة تؤذي المارَّة من الكبار والصغار والنساء والعجائز، فما كان من أمره -وهو يرى تأذي المسلمين بتلك الأغصان- إلا أن أخذ فأسه ليقطع تلك الأغصان التي تسببت في أذى المسلمين، وما كان يفكر في ذلك الجزاء العظيم الذي سيدركه، إنها رحمة الله لمن وجدت في قلبه الرحمة لعباده، فشكر الله له فغفر له وأدخله الجنة، وإذا هو يتقلب في الجنة.

أين ذلك الشعور بالمسؤولية في حياتنا الاجتماعية؟! وتجدر الإشارة في هذا الشأن إلى عدة أمور:

1-مياه المجاري.                          

2- أماكن القمامة.

3-العشوائية في رمي مخلفات البناء.

4- تكسير الأولاد للزجاجات.

5- التعدي على حقوق الناس وممتلكاتهم.

6- مماطلة الناس في حقوقهم.

والباب في ذلك واسع جدًّا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

الأعمال الاجتماعية النافعة عبادة

عدد الزيارات:12

التاريخ : 20-11-2018

دروس في الإيجابية والإنجاز

عدد الزيارات:33

التاريخ : 19-11-2018

كن مع الله ولا داعي للقلق

عدد الزيارات:52

التاريخ : 18-11-2018

على شاطئ الحياة

عدد الزيارات:44

التاريخ : 18-11-2018

هلموا نزدد إيمانًا

عدد الزيارات:15

التاريخ : 18-11-2018

لا تكبل روحك بمخاوف الأوهام

عدد الزيارات:52

التاريخ : 15-11-2018