محمود الصالح

يعتبر هذا الموضوع من أهم المواضيع التي تمس الواقع الدعوي وساحة العمل الإسلامي ولم يلق هذا الموضوع الاهتمام اللائق به من الكتابة فيه باستثناء كتاب (التقويم الدعوي)- صدر ضمن سلسلة رسائل العين- لذا يأتي الحديث عن التقويم الدعوى كأحد أهم أركان الخطة الدعوية بشكلٍ عام أملاً في الانتباه لهذا الطرح، وأخذ موضوعه بمأخذ الجد نظرًا لخطورته البالغة وآثاره المترتبة عليه حيث إن عملية التقويم هذه تمارس من قِبل كثيرٍ من الدعاة في غياب قواعده التي تضبطه من الإفراط وأصوله التي تحكمه من التفريط ليؤدي دوره الصحيح في طريق الدعوة المبارك.

وسيكون حديثي عن (التقويم الدعوي) منطلقًا من الواقع الذي يعيشه الكثير من الدعاة في التعامل مع هذا الموضوع وسأجمله في النقاط التالية:

1- المقصود بالتقويم الدعوي

المقصود به في العمل الدعوي الحركي: الوقوف على حال الفرد داخل الصف وأحيانًا خارجه بشكلٍ متكامل مما يترتب عليه إسناد وظيفة له أو القيام بمهمة دعوية معينة أو اتخاذ موقف تجاهه سلبًا أو إيجابًا.

2- أهمية التقويم الدعوي

تكمن خطورة التقويم الدعوي ووجوب الدقة والتحري فيه في:

1- الانتقال من مستوى إلى مستوى.

2- الترشيح إلى مهمة دعوية أو تولي مسئولية معينة.

3- معرفة مدى تحقق الأهداف الدعوية وبخاصة التربوية منها.

3- آليات التقويم الدعوي

1- شهادة الناس وما ينتشر بينهم وهي الأصل في الحكم على الناس وأحوالهم.

2- الاختبار والامتحان: ويمكن للجماعة المسلمة والمسئول أن يسلك طريق الاختبار والامتحان بواسطة التكليف بالمهمات الخاصة وبمراقبة تنفيذ التكاليف الدعوية، والنظر إلى الممارسات الدعوية للداعية وكذلك فإن معرفة تاريخه خلال عمله هو نوعٌ من الاختبار بالممارسة.

3- الجرح والتعديل (ذم صفات في الفرد أو مدحها والثناء عليها): وتظل دائرة التوثيق والتضعيف أحد أهم الطرق للتقويم الدعوي ولا غنى عنها.

4- عملية التقويم بين الإفراط والتفريط

الأولى:

عدم التحري وسرعة المجازفة:

وتعتبر هذه من أبرز السلبيات فإذا طلب تقييم شخص من الأشخاص اكتفى المقيمون بالتقديرات والتخمينات والحوادث الشاذة والأفعال النادرة التي قد ربما تصدر من الشخص مرةً واحدة في حياته ثم يُبنى عليها.

الثانية:

غياب الإنصاف

فإذا طلب من المقيمين لفرد من الأفراد جرحه أو تعديله تحدَّث البعض عن مواقف تعرَّض لها معه إما مواقف يحمده عليها فيكون التعديل بمثابة الجزاء على صنيعه معه، أو مواقف يذمه عليها فيكون التجريح بمثابة العقاب على فعله ذلك معه فينقلب الأمر عداءً شخصيًّا أو علاقة شخصية.

وهذه السلبية نشأت عندما لم يلتفت لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: من الآية 152).

وقد سُئِلَ علي بن المديني عن أبيه فقال: اسألوا غيري فأعادوا عليه فقال: إنه الدين أبي ضعيف.

وسُئِلَ الإمام أحمد عن ابنه عبد الله فقال: كذاب.

وهذا من تحري العدل والإنصاف والتجرد عند علي بن المديني وابن حنبل.

لا بد من التجرد عن القرابة الشخصية أو العداء الشخصي إن حدث معه موقف يومًا ما أخذه في نفسه وبقي ينظر إليه بعين ذلك الموقف والكمال عزيز, وقد قيل: العدل في الشيء صورة واحدة والجور صور كثيرة، وهما يشبهان الإصابة في الرماية والخطأ فيها؛ فإن الإصابة تحتاج إلى ارتياض وتعهد والخطأ لا يحتاج إلى شيء من ذلك.

الثالثة:

غياب النصح للشخص المجروح:

فإذا اكتشف في فرد من الأفراد خطأ أو ملاحظة يسكت عليها، ويبقى على ذلك أزمان دون الالتفات إلى عيبه والجلوس معه ونصحه، بل يسكت عليه ويبقى في نفوس المُقيِّمين ذلك دون إبدائه له ومحاولة نصحه وإصلاحه واستكمال نقصه.

الرابعة:

التقويم بما أقلع عنه (الحكم عليه بما تاب منه)

آفة خطيرة لدى لجنة التقويم أو لدى بعض أفرادها وهو الحكم على الشخص بحوادث ماضية ربما مضى عليها سنون، وقد تاب منها وأقلع عنها، والتوبة تجبُّ ما قبلها، والتبدل سنة القلوب.

قال الإمام السخاوي: وكذا يجتنب التعرض للوقائع المنقصة الصادرة في شبوبية من صيَّره الله تعالى بعد ذلك مقتدى به، فمن ذا سلم والاعتبار لحالة الآن، والأصل ستر المعاصي.

الخامسة:

الحكم عليه بالصفات الطارئة:

فيقوم بما حدث منه طارئ أو بحادثة لا تتكرر وهذا من الخطأ فإن التوثيقَ يُبنى على صفة لازمة لا على صفة طارئة أو منفردة لأنها لا تتكرر.

من أجل ذلك كان لا بد لعملية التقويم أن تتغير مع تبدل الزمان وألا يقتصر الدعاة والمربون على تقويم مرحلة معينة.

السادسة:

تلازم الأحكام رغم مرور الأيام:

ومن السلبيات المشهورة خلل يحدث للجنة المقومة للفرد، وهو أنها بعد جرحه يبقى هذا الجرح في نفوس أفرادها، وتبقى تلك الأخطاء في أذهانها، وينظر دائمًا إلى هذا الفرد بتلك النظارة.

وعليه فإن الجرحَ لا ينافي الصحبة والإخوة والولاء والبراء، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

السابعة:

الإسراف في الجرح:

وهذه سلبية أيضًا؛ فالتمادي في جرح الشخص وكثرة التنقيب عن أخطائه وإبرازها من الظلم الذي لا يجوز أن نقترفه.

قال الإمام السخاوي: وإذا أمكنه الجرح بالإشارة المبهمة أو بأدنى تصريحٍ لا تجوز له الزيادة على ذلك، فالأمور المرخص فيها للحاجة لا يرتقى فيها إلى زائدٍ على ما يحصل الغرض.

الثامنة:

انتشار خبر الجرح:

بعض من الذين يشهدون عملية التقويم يطلع على جرح أحد الدعاة في إطار أمرٍ معين فإذا به يبوح بذلك لمَن لا يعنيه هذا الأمر، وهذا لا يصح فالمجالس بأماناتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

الأعمال الاجتماعية النافعة عبادة

عدد الزيارات:12

التاريخ : 20-11-2018

دروس في الإيجابية والإنجاز

عدد الزيارات:33

التاريخ : 19-11-2018

كن مع الله ولا داعي للقلق

عدد الزيارات:52

التاريخ : 18-11-2018

على شاطئ الحياة

عدد الزيارات:44

التاريخ : 18-11-2018

هلموا نزدد إيمانًا

عدد الزيارات:15

التاريخ : 18-11-2018

لا تكبل روحك بمخاوف الأوهام

عدد الزيارات:52

التاريخ : 15-11-2018