وليد الرفاعي

معرفة الرجال وتقييم الناس هبة ربانية يهبها الله لمن يشاء من أرباب الفراسة والنباهة، ومع أن هذا الصنف من الناس هو الأقل، إلا أن الناس كل الناس لا ينفكون في حياتهم اليومية عن إقامة علاقات ومعاملات مبنية على تقييم خاص لهم وللآخرين، وكلما كان التقييم أبعد عن الدقة، كلما ولجت على المرء منه مضائق وشدائد، وعلاقات وارتباطات، ربما كانت قاتلة في بعض الأحيان، ومع ذلك فإن للتقييم أصولاً من الممكن أن يتجنب الآخذ بها الكثير من الزلات في تقييمه.

ودقة التقييم حاجة ملحة سواء على المستوى الشخصي للإنسان أو على المستوى العام، والدعوة إلى الله واحدة من هذه المجالات، والتي من الممكن أن يكون لدقة التقييم دور كبير في اختصار كثير من الوقت والمراحل، كما أن فوضوية التقييم كذلك قد تجر على العمل الدعوي آفات وتعطله عن مصالح، بل قد تضربه في الصميم، وكم تحفظ ذاكرة الدعوة من أسماء لم يكونوا على مستوى الدور الذي أنيط بهم، فما أحسنوا في العمل، كما أحسن المصطفون لهم بالظن، بل ربما أساؤوا وأفسدوا!.

وهذه بعض الآفات التي تعترض، وتعرض للكثير من المقيّمين بقصد أو بدون قصد:

1- الخلفية المسبقة للمقيَّم أو لقبيلته أو لعائلته أو بلدته:

والخطأ هنا يقع من جانبين: الأول منها، هو التعميم اللامنطقي في الأحكام بالسلب أو الإيجاب لمجرد انتماء الفرد لبلد أو عائلة، دون التدقيق في ذات الشخص، ومن ثم فإن البعض يلقي بهالة على ابن الدكتور أو الداعية أو الذكي أو الناجح، وقد يكون ابن أي أحد من هؤلاء أفشل وأغبى ممن هم أقل منه في هذه المظاهر والانتماءات. والجانب الآخر في الخطأ، هو في تغافل اعتبار هذه المؤثرات، والتعامل مع ذات الشخص تعاملاً مجرداً عن أي اتصال آخر، والحق أن هذا مخالف للواقعية، فتقييم شخص قروي يجيد اللغة الإنجليزية مثلاً لا يصح أن يماثل بقرينه ابن المدينة الذي هو وإياه على نفس المستوى من القدرة والذكاء، ولكنه ليس على نفس المستوى من الإمكانيات المتاحة. وكذلك الشأن في ابن المدرس وابن العامل، فالدلالات تشير أن أحدهما بذل من الجهد ما لم يبذله الآخر، وهكذا، فالأداء الذي يطلب من شخص، قد يرضى بنصفه من آخر، ليس لأن الآخر أقل منه قدرة، وإنما أقل منه فرصة وإمكانيات، ومن هنا نستطيع أن نقول إن التعويل التام على العلائق الخاصة بالفرد خطأ مماثل للتجاهل التام لهذه العلائق، وعلى التوازن قامت الدنيا.

2- إعاقة بعض العيوب الاجتماعية نحو النفاذ إلى حقيقة المقيم:

ذلك أن البعض قد يعاني من "فقر اجتماعي" إن صح التعبير، في جوانب معينة تعيق الآخرين عن النفاذ إلى حقيقة ما يملك من مواهب وملكات، فعلى سبيل المثال قد يتصف البعض بقدر عالٍ, من ثقل الظل، أو التبذل المفرط في المظهر أو الحساسية المملة، أو ضعف إقامة العلاقات وعدم اللباقة في الحديث، أو الحدة في الطباع، أو ما شابه ذلك مما يعكس تقييماً سلبياً وسريعاً تجاهه لا يراعي جوانب التمييز، فيكون سبباً في عدم الخوض في ما وراء هذه المظاهر الغير مشجعة، وينسى أصحاب التقييم أنه من الممكن أن يوجد بعض الأكابر والعظماء في مجالاتهم، وهم متصفون بشيء من هذه الصفات، بل ربما بها مجتمعة.

3- التقييم من الموقف الواحد والرؤية الواحدة:

والمشكلة تكمن في أن الإنسان عاجز عن عدم تكوين تصور مباشر ولا إرادياً لمن يلتقي بهم، ولو من أول نظرة، ولكن المشكلة الأكبر تكمن في التعويل على هذا التقييم، والحكم من خلاله، فالذي يجب أن يستقر أن الانعكاس النفسي للأشخاص من أول لقاء شيء، والتعويل على هذا الانعكاس على أرض الواقع شيء آخر، هذا من جهة، ثم إنه من جانب آخر لا يخفى أن النفس قد تتعرض لفترات متباينة من العواطف والظروف مما يؤثر على سلوكها بالجملة، كالانقباض والانبساط والخجل والرهبة والحزن وغيرها، ومن ثم يصبح التقييم من الموقف الواحد أو حتى اللقاء الواحد عرضة للخطأ في عكس حقيقة الشخص المقيم، أضف أن هذا التبدل والانقلاب كما أنه مما يتعرض له المقيم (بالفتح)،فإن المقيم كذلك يتعرض لمثل ذلك، مما يؤثر عليه في الحكم على الأشخاص سلباً أو إيجاباً.

4- الاغترار بالمكتسبات عن الحقائق والجواهر:

وتحميلها ما لا تحتمل من الدلالات من خلال الاستدلال بها على أمور بعيدة لا يحتملها الفعل، وذلك لشيوع ارتباطات بين بعض الأمور ودلالتها من خلال العرف الاجتماعي السائد، وهو عرف ما لم يكن مستنداً إلى مقاييس شرعية دقيقة، فإنه معرض للخطأ. فالبعض مثلاً قد اكتسب بعض الأمور التي لا يصح أن يتجاوز في النظر إليها دلالتها المباشرة عليها، فالذي استطاع أن يحفظ القرآن مثلاً لا يعني أنه رجل صالح كما يتبادر للبعض؟ وإنما يعني أنه رجل يملك جلد على الحفظ، أما الصلاح فله مقاييس أخرى.

والذي يتفوق على زملائه في الفصل لا يعني بالضرورة أنه أذكى منهم، وإنما يعني أنه صاحب همة، أو أن وراءه أباً حازمًا، أو أن الملهيات عنده قليلة ومحصورة، نعم قد يعني أنه ليس بغبي، لكن لا يعني بالضرورة أنه ذكي!.

5- التأثير الخفي لقوة العلاقة أو ضعفها بين المقيِّم والمقيًّم:

وهذه كما أنها تكون بالمحاباة وهي الأكثر شهرة، فإنها تكون كذلك بالتجرد المفتعل والمبالغ فيه، وهو الأكثر خفاءً والذي قد يجر صاحبه إلى تقييم مختل من خلال هضم حقوق صاحبه المقيم، الذي قد يكون أخاً أو ابناً أو قريباً، والمشكلة تكمن في أن كلا الأمرين -التأثير بالإيجاب أو بالسلب- من الأمور الخفية على النفس، ولذا جاءت النصوص الشرعية بعدم قبول أو جواز هدايا العمال ابتداء، كتدبير شرعي ابتدائي وقائي حكيم، ذلك أن الأمر كما قال المصطفى - عليه الصلاة والسلام -: "حبك الشيء يعمي ويصم".

وبالمقابل نستطيع أن نقيس فنقول: "بغضك الشيء يعمي ويصم أيضاً" (وَلا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ, عَلَى أَلَّا تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ) [المائدة: من الآية8] "وكلمة الحق في الرضا والغضب".

6- الاعتماد الكلي على تقويم الآخرين:

ولقد ذكرنا لفظة الكلي ذلك أن الاستئناس بتقييم الآخرين مهم، وإلا كان في ذلك تبديد لعقولهم وخبراتهم، إلا أن المرفوض هو تعطيل النظر الشخصي نظراً لوجود تقييمات (معلبة وجاهزة للتصدير والاستيراد دون أي فحص أو تحقق جمركي). والمشكلة أن هذه التقييمات المسبقة قد تكون من الكثرة مما يشوش على أية نظرة مضادة لها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أن بعض التقييمات ما هي إلا سلسلة منشؤها شخص واحد تابعه أو قلده مجموعة من الأناسي عليها، حتى أصبحت مسلّمة لا تقبل النقض أو النقد، وبذلك تصبح سلسلة مبدؤها ومردها حلقة واحدة.

7- التأثر بتقييم شخص من الأكابر أو الفضلاء:

ومنشأ هذا التأثر هو التقدير والاحترام في بعض الأحيان، أو التسليم المطلق في أحيان ثانية، أو المركزية والشخصية الساحرة والقوية في آن ثالث، والمشكلة التي تعاني منها الشعوب العربية والإسلامية أنها بقدر ما هي شعوب فوضوية في مواقفها في جانب، بقدر ما هي عاطفية في جانب آخر!. وعليه فإن عندها من الاستعداد أن تتأثر بتقييم أي رمز، دونما أن تعمل عقلها في ذلك التقييم.

وعندما تضع الأمة عقولها في أكف فضلائها وعلمائها فتأخذ عنهم دون تمييز، تكن قد ارتكبت خطأً في حق نفسها، وإن كانت ما تزال بخير، فكيف بها عندما تضع عقلها في أكف رموز غير مستأمنين على دينها وعقلها ومصلحتها؟!.

وعلى سبيل المثال، فإننا لو تتبعنا ما سطر عن إمام من الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب، تجد أن تأثر الشعوب كبير (سلباً أو إيجاباً) بما يسطره رموز هذا القطر أو ذاك، بينما لا تجد عند الغالبية العظمى من هؤلاء المتحمسين بالسلب أو الإيجاب، أي تتبع وتصور دقيق بنى عليه نظرته، سوى أن الرمز الفلاني قال..! وعليه فقس. والذي يجب أن يستقر أن احترام العلماء والفضلاء شيء، ومراجعتهم في آرائهم والتي منها تقييماتهم للأفراد أو المؤلفات شيء آخر. إذ إن ذلك بعيد كل البعد عن أي مظهر من مظاهر التنقص أو الازدراء، ويطول عجب الإنسان عندما يقرأ مراجعات عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للمصطفى – صلى الله عليه وسلم - في شأن بعض الأفراد عندما أشكل عليه (ظاهراً) تعامل وتقييم المصطفى مع ما تلقاه منه سابقاً - علماً أن فعل المصطفى تشريع لأمته بحد ذاته -، لبعض الأفراد كحاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - أو المنافق عبد الله بن أبي، وهو هو عمر بن الخطاب خير الناس بعد الصديق - رضي الله عنهما وأرضاهما -.

8- تثبيت صورة التقييم وعدم تغييرها مع مرور الزمن:

إن من الأمور المستقرة في عرف الناس أن الإنسان قد يمر بظروف أو مراحل تقلب عليه شخصيته أو جوانب منها على أقل تقدير، والذين يثبتون حكمهم على الأشخاص لا يراعون هذه المسلّمة، وإن كنا ينبغي أن نشير إلى أن هذا التغيير ليس بالأمر البسيط والسريع، فالإنسان قد يحتاج إلى وقت مديد ليغير جبلة أو طبعاً اجتماعياً قديماً وموروثاً واحداً، فكيف بالشخصية بالعموم، إلا أن الذي يحسن التنبه له أن بعض الصفات تتواجد وتتكاثر في مرحلة عمرية معينة قد تخلو منها مرحلة عمرية أخرى، كالطيش في المراهقة وعدم التؤدة مما يغلب سلامة الفرد منها بعد تجاوز تلك المرحلة وهكذا..

هذا من جانب، ومن جانب آخر، أن التغيير قد لا يكون كلياً كما يظن البعض، بل تغييراً جزئياً وهذا هو الأغلب، وبقدر ما يكون التغيير في الصفات العميقة، بقدر ما يكون جذرياً وحاسماً في تغيير صورة التقييم.

إنك كثيراً ما تصاب بالإحباط عندما تلصق بفلان نظرة معينة، لأن آخر قد زامله على مقاعد الدراسة منذ عشر سنوات، وهو يقول فيه كذا وكذا، ومرة أخرى إلى صحابة رسول الله، فإذا بعمر يحاسب و يراجع كبار الصحابة على الدرهم والدينار ممن خشي عليهم عمر أن تكون نفوسهم قد تغيرت فترخصوا أو تساهلوا - حاشاهم - وهم هم الصحابة الذين لولا عدالتهم وثقة عمر بهم ما عينهم!.

9-التقييم التعميمي:

ونعني بالتقييم التعميمي ذلك التقييم الذي يعدل بالجملة أو يجرح بالجملة، فليس عند أصحاب هذا التقييم نظرة وسطى، وعليه فإن أحكامهم تتجه دائماً نحو الأطراف والتطرف، والحق أن التفصيل والتجزئ لأي شيء هو السبيل إلى فهمه أولاً، وإطلاق حكم سديد عليه ثانياً، أما أخذ جانب من الصورة ثم تعميمها على الصورة كاملة، فهذا ما يعد خللاً في الحكم على الأمور، إن الخطيب الجيد والمفوه لا يعني أنه فقيه أو محدث أو حتى صاحب علم راسخ، والرجل المخلص فيما يبدو من حاله وصلاحه لا يعني أنه الأنسب في الريادة الدعوية والشرعية، هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن الكثير من الناس يعانون من جور هذه النظرة التعميمية والتي تصبغهم بلون واحد فقط، بينما لا تراعي القدرات الخاصة المتعلقة بالمقيم. إن كون فلان غبياً لا يعني أنه عاجز عن عمل شيء، كما أن كون فلان صاحب كبر أو غرور أو حتى بدعة، فإن هذا لا يعني أنه لا حسنات له وأنه عار من الفضائل. إن علماءنا الأجلاء ضربوا أمثلة مشرقة في دقة التقييم، وعدم الوقوع في الأحكام التعميمية، وطالع إن شئت ما سطره الذهبي أو ابن تيمية عن بعض المتصوفة أو المتلبسين ببعض الأفكار المخالفة، وكيف أنصفوهم وحكموا عليهم حكماً عروا فيه جوانب الخلل، وألمحوا إلى مواطن الإحسان دون تعميم يفضي إلى تغليب جانب على حساب جانب آخر.

وينشأ التقييم التعميمي من عدة عوامل، قد يكون من بينها العقلية ذات البعد الواحد، أو الميل الطبيعي عند الناس إلى تبسيط الأمور وإطلاق التقييمات التعميمية التي تريحهم من عناء التفصيل والتدقيق، أو غير هذا وذاك.

10- التقييم المباشر عن طريق المقابلات:

لا عن طريق الملاحظة والتجريب. وحتى نكون بعيدين عن المثالية، فإننا لا نستطيع أن ننفي أنه قد لا يتيسر في بعض بل في كثير من الأحيان التقييم عن طريق الملاحظة والتجريب، فمقابلات الجامعات مثلاً لا تعتمد إلا على أسلوب المقابلات، وكذلك اختبارات القبول لكثير من المؤسسات والشركات وما شابهها، ولكن الذي يعنينا هنا أمور:

أولاً: إذا صح أن تعد هذه الوسيلة هي الأكثر عملية على نطاق المؤسسات المهنية، فإنها لا تصلح أن تكون كذلك في مجال التقييم الدعوي والتربوي، ذلك أن الشهادات والأوراق ليست هي لغة التقييم التربوي والدعوي كما هو في الأعمال الوظيفية المؤسسية.

ثانياً: ينبغي أن نفرق بين أن تكون المقابلات الشخصية هي الوسيلة المتاحة، وبين أن يعول على هذه الوسيلة تعويلاً كاملاً، ذلك أنها جزماً ليست وسيلة دقيقة أو الأدق على أقل تقدير.

ثالثاً: المقابلات الشخصية تعتمد في جزء كبير منها على الحذاقة والنباهة وحسن العرض والمنطق والحجة، وعلى هذا فإن بعض من يملكون صفات أفضل قد يفشلون لأنهم يملكون قدرات أقل فيما ذكرنا من الصفات الاجتماعية الظاهرة، ونلاحظ أن هذا المعنى نفسه قد أشار إليه المصطفى-صلى الله عليه وسلم- في باب التخاصم فقال: "إن الرجل ليأتيني وقد يكون ألحن حجة من صاحبه فأحكم له... "، فإذا كان المصطفى - عليه الصلاة والسلام - لم يأمن الاغترار بمنطق أحدهما فكيف بغيره؟!، وجاء عن عمر - رضي الله عنه - "لا تعجبنكم طنطنة الرجل، ولكن من أدى الأمانة، وكف لسانه عن أعراض المسلمين"

وخلاصة القول: إنه كما أن الكثير يحسن المنطق ولا يحسن العمل، فإن الكثير أيضاً يحسن العمل ولا يحسن المنطق والكلام!.

رابعاً: إن من أسباب عدم دقة أسلوب المقابلات اعتمادها على حالة نفسية واحدة، في الغالب أنها وجلة ومضطربة، ولا تعكس طبيعة الشخصية وأريحيتها دون تكلف، ذلك أن المتكلفين لا يستطاع النفاذ إلى حقيقة جوهرهم، بينما تعتمد طريقة الملاحظة الأطول زمناً من خلال المؤاخاة أو السفر إلى استرخاء نفسي تتجلى من ورائه شخصية المقيم، بسبب ذهاب التوتر من جهة، وكذلك تبدل المواقف والأحداث التي تكشف وبجلاء جوانب متعددة من تلك الشخصية في الغضب والرضا والمنشط والمكره، ذلك أن كثيرين من الناس قادرون على التمثيل، ولكن القليل منهم فقط قادرون على التمثيل لفترات طويلة ومتابينة.

11-تأثر المقيم بميولاته الشخصية في التقييم:

لكل إنسان نبوغ أو ميول إلى علوم أو مهارات أو وجهات معينة، وهذا من الاختلاف الجبلي الذي جبل عليه البشر، إلا أن هذا الاختلاف في الميولات ينبغي ألا يعكس على التقييمات على الأفراد سلباً أو إيجاباً على حسب وجودها أو انعدامها في المقيم (بالفتح).

ومن الواقع المر في العمل التربوي مثلاً، أنك ترى أن البعض من القائمين عليه يحتفون بالأفراد الذين تتوافق قدراتهم مع قدراتهم، ومن ثم يقدرونهم ويطورونهم، بينما يخصص للآخرين مساحة واهتمام أقل، فلا يعني مثلاً كون المربي أو المقيم شاعراً أو محباً للشعر أنه يزيد من حسن تقييمه لأرباب الشعر، بينما لا يجد أصحاب الميولات الفكرية مثلاً نصيبهم من التقدير في نظر المقيم، لأنه ليس في هذا الوادي، إننا إن تجاوزنا عن المربي في عدم تطويره لهذه الخصال لأي سبب كان، فإننا لا نتجاوز عن عدم تقديره لها واعتبارها مقياس من مقاييس التقييم لأي سبب كان.

12- استخدام المقاييس النفسية غير الموضوعية:

الراحة الشخصية، والظن، والتخمين، والاستشفاف، والفراسة، والشعور الخفي، والحاسة السادسة، قد يصلح استخدامها في اصطفاء صديق أو خليل، إلا أنها لا تصلح أن تكون عوامل مفردة للتقييم، ذلك أن أحداً لا يستطيع الجزم بصحة نبؤاته، أو صدق فراسته، ولذلك لا بد أن تستبدل أو تدعم على أقل تقدير تلك الأمور النفسية بالحقائق والوقائع والإنجازات.

إن شيوع التقييم الموضوعي المبني على حقائق يدل على مدى احترام المقيم لسامعه ولنفسه وللآخرين، بخلاف ما يعكسه ذلك التقييم الذي لا يبرره صاحبه إلا بقوله: "لم أرتح له، أو هكذا أشعر، أو أظن ذلك، أو حاستي السادسة تقول، أو من خلال فراستي التي لا تخطئ، فرأيي هو..، …إلخ".

13 -الوقوع بين فكي المثالية الحالمة، والواقعية المفرطة.

وآفة من آفات أمتنا الوسط أنها تجنح كثيراً إلى الأطراف تاركة حد التوسط والاعتدال!.

14- تقديم الجرح على التعديل:

وذلك من خلال البحث الدقيق عن جوانب القصور مقابل إهمال جوانب البروز، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، الاعتقاد خطأً أن التقييم الناجح هو التقييم الذي يجلي الأخطاء والمعايب وينقب عنها!. وهي نظرة مع قتامتها إلا أنها شائعة في المجالات التربوية والدعوية و الاجتماعية كذلك، حيث أصبح الكثيرون لا ينظرون إلا إلى نقاط الافتراق مقابل إهمالهم لنقاط الاتفاق، والمشكلة أن هذه المشكلة تجاوزت المجالات التربوية لتلج إلى المجالس الشرعية البحتة من خلال تقييمات الأئمة والدعاة، والتي تنقب عن المثالب وتهمل الحسنات بدعاوى شرعية!.

ــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

الأعمال الاجتماعية النافعة عبادة

عدد الزيارات:6

التاريخ : 20-11-2018

دروس في الإيجابية والإنجاز

عدد الزيارات:33

التاريخ : 19-11-2018

كن مع الله ولا داعي للقلق

عدد الزيارات:52

التاريخ : 18-11-2018

على شاطئ الحياة

عدد الزيارات:44

التاريخ : 18-11-2018

هلموا نزدد إيمانًا

عدد الزيارات:15

التاريخ : 18-11-2018

لا تكبل روحك بمخاوف الأوهام

عدد الزيارات:52

التاريخ : 15-11-2018