إن العلاقات الشخصية والاجتماعية خاصية من خصائص الإنسان السوي، والداعية هو أحوج الناس إلى هذه العلاقات لنجاح دعوته، وكسب المدعويين، وإلا فكيف كان إسلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكيف أدخل في الإسلام الكثير، منهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عن الجميع، فقد كانت العلاقات الشخصية منبع الدعوة، والداعم الأساسي لها في بدايتها، وقد جاء ديننا بما يشد من عرى هذه العلاقات من أحكام وآداب وتوجيهات، قال تعالى: {وأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}[الأنفال:63].

في قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا يسجل لنا كعب بن مالك موقفًا عاطفيًا لم ينسه لأبي طلحة، رضي الله عن الجميع، يقول كعب: وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتلقاني الناس فوْجًا فوجًا يهنوني بالتوبة، يقولون: لتهنك توبة الله عليك، قال كعب: حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهناني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة(1).

وها هي عائشة رضي الله عنها لم تنس، وهي تروي خبر الإفك، موقف تلك الأنصارية التي جاءت إليها ولم تزد على البكاء، فحفظت لها أم المؤمنين الموقف وروت فعلها في القصة، قالت: ...وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكي معي(2).

التأليف بين القلوب نعمة ربانية:

قال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران:103].

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»(3).

قال تعالى: {وأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}[الأنفال:63]، أكثر المفسرين أن هذا في الأوس والخزرج؛ وقد كانت بينهم إحن وتراث في الجاهلية، وكان القتال بينهم قائمًا مائة سنة، فألف الله بين قلوبهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال الزجاج: كان الرجل منهم يلطم اللطمة فكان يقاتل بقوته إلى أن يستفيد منها، فألف الله بين قلوبهم بالإسلام، حتى صار الرجل يقاتل أخاه وقريبه على الإسلام(4).

ذكر محمد بن إسحاق بن يسار وغيره أن هذه الآية نزلت في شأن الأوس والخزرج، وذلك أن رجلًا من اليهود مر بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلًا معه وأمره أن يجلس بينهم، ويذكرهم ما كان من حروبهم يوم بعاث وتلك الحروب، ففعل، فلم يزل ذلك دأبه حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتثاوروا، ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتواعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فجعل يسكنهم ويقول: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟»، وتلا عليهم هذه الآية، فندموا على ما كان منهم، واصطلحوا وتعانقوا، وألقوا السلاح، رضي الله عنهم(5).

ولقد وقعت المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله، والتي لا تصنعها إلا هذه العقيدة، فاستحالت هذه القلوب النافرة، وهذه الطباع الشموس، إلى هذه الكتلة المتراصة المتآخية الذلول بعضها لبعض، المحب بعضها لبعض، المتآلف بعضها مع بعض، بهذا المستوى الذي لم يعرفه التاريخ، والذي تتمثل فيه حياة الجنة وسمتها البارزة، أو يمهد لحياة الجنة وسمتها البارزة: {وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ} [الحجر:47].

إن هذه العقيدة عجيبة فعلًا، إنها حين تخالط القلوب، تستحيل إلى مزاج من الحب والألفة ومودات القلوب، التي تلين جاسيها، وترقق حواشيها، وتندي جفافها، وتربط بينها برباط وثيق عميق رفيق، فإذا نظرة العين، ولمسة اليد، ونطق الجارحة، وخفقة القلب، ترانيم من التعارف والتعاطف، والولاء والتناصر، والسماحة والهوادة، لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب، ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب، وهذه العقيدة تهتف للبشرية بنداء الحب في الله، وتوقع على أوتارها ألحان الخلوص له والالتقاء عليه، فإذا استجابت وقعت تلك المعجزة التي لا يدري سرها إلا الله، ولا يقدر عليها إلا الله(6).

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى»، قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم، قال: «هم قوم تحابوا بروح الله بينهم، على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، والله، إن وجوههم لنور وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس»(7).

ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن المسلم إذا لقي أخاه المسلم، فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما تتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا غفر لهما ذنوبهما ولو كانت مثل زبد البحار»(8).

أهمية العلاقات الشخصية في نجاح الداعية:

إن من أسباب نجاح الداعية في استيعاب المدعو أن يكون عارفًا بطبائعه وميوله، واتجاهاته النفسية والفكرية، وبالقدر الذي يتوفر للداعية من المعلومات، فإن ذلك ييسر له أسباب النجاح، ويمكنه من حسن التعامل وكسب قلوب المدعوين، والذي يعد بدوره السبيل الأمثل للاستيعاب.

قال تعالى:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً}[الرعد:38].

إن معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لطبيعة أبي سفيان، زمن الشرك، وأنه رجل يحب الفخر كانت سببًا في إسلام أبي سفيان رضي الله عنه؛ إذ إن أسلوب الخطاب الدعوي، المؤثر مع هذا الصنف من الناس، يتمثل في إشعاره بالمكانة والاحترام والتقدير بين الناس، وهو ما كان من النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن»، فكان ذلك سببًا في دخول أبي سفيان في الإسلام(9).

قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ}[الفرقان:20]، أي: قد كانوا بشرًا من البشر، يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بضار لهم ولا ناقص منهم شيئًا، كما توهمه المشركون في قولهم:{وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}[الفرقان:7].

إن الأخلاق وحسن المعاملة تحدث في نفس المدعو ما لا تحدثه مئات الخطب والمواعظ، خاصة تلك التي فقد صاحبها الأخلاق الفاضلة، وحرم كذلك خطاب الناس بفن المعاملة.

والداعية الناجح هو الذي يتقن فن التعامل مع الآخرين؛ لأنه بذلك يكسر الحواجز التي بينه وبين المدعو، فمن بداهة القول أننا لكي نكسب عناصر جديدة لصالح العمل الإسلامي، لا بد أن نكسب قلوبهم، وعندها نغرس تعاليم الإسلام وقيمه الأصيلة.

إن كسب القلوب لا يمكن أن يتحقق إلا إذا نجح الداعية في إقامة جسر للتعارف والتآلف مع المدعو، والذي يكون ابتداءً عبر إفشاء السلام، لما تمثله هذه التحية من نشر ثقافة الحب والأمن والاطمئنان بين الداعية والمدعو، وبدونها تبنى الحواجز بينهما، وهذا ما يفسر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لهذه التحية.

أخرج الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»(10).

يقول الإمام النووي: وفيه الحث العظيم على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم، من عرفت ومن لم تعرف، والسلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفى إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل، مع ما فيه من رياضة النفس، ولزوم التواضع، وإعظام حرمات المسلمين(11).

روى ابن ماجه، وصححه الألباني، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم».

فإن مخالطة الناس لا بد وأن يكون فيها بعض الشقاء والعناء، ولا بد وأن يكون فيها بعض النكد والضيق، ولكن على المؤمن، عمومًا، والداعية، على وجه الخصوص، أن يصبر على الناس وعلى ما يصدر منهم عليه من أذى، وأن يحتسب الأجر في ذلك، وأن ينظر دائمًا إلى الناس بعين الرأفة والرحمة، فإن الناس محتاجون إلى الداعية والعالِم أشد من حاجتهم للطعام والشراب، والأذى منهم لا بد وأن يكون على العالم والداعية، ولا مخرج من هذا إلا بالصبر والتغاضي والحلم واحتساب الأجر، ولا حق للداعية أن يترك الناس ويهجرهم انتصارًا لنفسه، ولا أن يتبرم من حالهم ولا يخلص في النصح لهم، فإن تلك الأفعال مجانبة للحكمة والهدى، ولا يتصور الداعية في يوم من الأيام أن الأمور ستصفى له الصفاء الكامل؛ بل عليه أن يوطن نفسه على أن الأمور فيها من التعقيد والكبد ما فيها.

وقال عمر رضي الله عنه: «خالطوا الناس بما يحبون، وزايلوهم بأعمالكم، وجِدُّوا مع العامة»، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم؛ فإن لامرئ ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب».

فليس المطلوب أن يلقي الداعية كلماته ثم يمضي لا يشارك الناس أحزانهم وأفراحهم، إنما المطلوب أن يخالطهم وينفذ إلى قلوبهم بحسن الكلام والبشاشة والنجدة لكل ملهوف، فذلك يقبل بقلوبهم إليه، فيمكن تغيير أحوالهم، والمجتمع ليس على صفة واحدة، ففيهم العالم والجاهل، والغني والفقير، والخفيف والثقيل، والغبي والذكي، والمصلح والمفسد، والمعاند والمنقاد، وصاحب الشهوة والهوى، وصاحب الشبهة والبدعة، والمجادل بالباطل، إلى غير ذلك من أصناف المجتمع، فعلى الداعية أن يعرف هذه الحقيقة، وأن يبدأ في العلاج بقوة ونظر ثاقب، وحكمة بالغة وتأن، ورفق وحلم وصبر، وعدم استعجال للنتائج، وليست السلامة من الناس هي عين العافية؛ بل مخالطتهم والصبر عليهم واحتساب الأجر فيهم هو العافية، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «أن المخالطة إن كان فيها تعاون على البر والتقوى فهي مأمور بها، وإن كان فيها تعاون على الإثم والعدوان فهي منهي عنها»(12).

أنواع العلاقات الشخصية:

ما هي أنواع التجاذب التي تحصل بين الأفراد في المجتمع الواحد؟

علاقة الأخوة في الله:

أحيانًا يكون هذا التجاذب، أو هذه العلاقة، علاقة التقاء، علاقة أخوة في الله، مبنية على الإيمان الصادق، وهذا هو المطلوب والهدف، وهو الذي ينبغي أن تقطع كل العلاقات إلا هذه العلاقة.

علاقة المصلحة المادية:    

هي علاقة بين اثنين أو أكثر، تجمعهما مصلحةٌ مادية، فهذه العلاقة علاقة منفعة مادية، وبعض الناس يسمون أنفسهم في بعض الشركات، مسئول العلاقات العامة، ومسئول العلاقات العامة وظيفته في الغالب كل شيء إلا الأخوة في الله، انفعني وأنفعك، مبنى العلاقة كلها علاقة مادية.

علاقة المشابهة في الطباع:

علاقة ارتياح تقتضيه المشابهة في الطباع، فتجد مثلًا اثنين من الناس بينهم علاقة حميمة، يسيران مع بعضهما البعض، ويخرجان مع بعضهما البعض، ويدخلان مع بعضهما البعض، ويتكلمان مع بعضهما البعض، وهكذا، السبب: ارتياح شخصي؛ لأن فلانًا يرتاح له.

فتجد أن هذين الاثنين مع بعضهما دائمًا؛ في رواح ومجيء، وجلوس وكلام، وذلك لمجرد هذا التشابه الظاهر، لا لأن هناك أخوة إيمانية، ولا لأن هناك إيمان يربط كل واحد منهما بالآخر، وإنما هي مسألة مشابهة في الشكل العام، أو في مجموعة من الأشياء العامة في حياة كل منهما.

علاقة العشق والتعلق:    

يحبه مع الله لا يحبه في الله، لدرجةٍ تصل إلى صرف أنواع من العبادة لهذا الشخص، وهذه مشكلةٌ تنشأ بسبب دوافع كثيرة، تكون بدايتها بسيطة، ولكنها تنمو وتنمو وتعظم وتكبر حتى تصبح العلاقة بين هذين الاثنين؛ بحيث أن كلًا منهما لا يستطيع أن يغيب الآخر عن ناظريه أبدًا، فلا بد أن ينظر إليه دائمًا، وأن يتصل به باستمرار، وكأنه الهواء الذي يستنشقه، وأنه لو غاب عنه لحظةً واحدة يتألم جدًا للفراق حتى يعود إليه، وهذا النوع من التعلق الشديد له درجات، قد تكون في بعضها غلو، وفي نهايتها شركٌ أكبر.

قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة:165].

فإذًا ما الذي يجرد لنا هذه الصور على حقيقتها ويظهرها واضحة وجلية، تحت مجهر الكشف عن الحقيقة؟ إنه هذه الفقرة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوله عليه الصلاة والسلام: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله»، لاحظ الاستثناء القوي المسبوق بالنفي، وهذا أقوى أساليب الحصر في اللغة، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله؟ لأن القضية موجودة بين العباد فعلًا، علاقات محبة بين العباد لكن ليست لله، كثيرة ومتنامية ومتشعبة، وكثيرًا ما تكون مدمرة على بعض الأطراف، وكثيرًا ما تفشل مجموعة أو تجمع إسلامي بأكمله؛ لأنها مرضٌ معدٍ في كثير من الأحيان، تحتاج إلى وقفات صارمة من جميع الأطراف(13).

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم الجواب الكافي أنه إذا كان الأمر كذلك فلا بد أن يبتعد أحدهما عن الآخر حتى يضطر أن يسافر إلى بلد آخر، بحيث لا يرى صاحبه، ولا يقع له على خبر ولا حس ولا أثر، فإنه يفعل ذلك ابتغاء السلامة في الدين.

العلاقات الشخصية بين الدعاة:

الأصل في العلاقات بين الدعاة أن تكون فكرية وتنظيمية، ولا يصح الخلط بينها وبين العلاقات الشخصية، قد تكون العلاقات الشخصية سابقة على علاقات الدعوة عند بعض الدعاة، وقد تكون نتيجة لعلاقات الدعوة، وهي وإن كانت لها أهمية في تنمية علاقات الدعوة نفسها، فالسلوك الذي تريده الدعوة هو كل ما يدخل ضمن إطار تعاليم الإسلام ومفاهيمه، وهو الذي يلزم أن يؤثر في العلاقات وليس العكس(14).

ومما يعين على وحدة الصف أن تتقوى الأواصر والصلات بين الدعاة والمصلحين، ويمكن أن يتم ذلك من خلال العلاقات الشخصية، والتزاور والاجتماع، وإقامة المشروعات المشتركة، والتعاون على الأعمال الدعوية والاحتسابية.

ومع ما في ذلك من تحقيق للمحبة والمودة، فإنه يفتح المجال للنقاش حول أمور الخلاف، حين يوجد الخلاف، فتكون هناك جسور مفتوحة يمكن التواصل من خلالها، أما حين لا يتم التواصل إلا عند الخلاف والنقاش فالغالب أنه يصعب أن يتحقق المراد.

الداعية ودوره في قضاء حوائج الناس:

فالنبي صلى الله عليه وسلم بالرغم من إنكاره لأعمال الجاهلية الفاسدة؛ وعدم مشاركة قومه فيها، إلا أنه يشارك في كل عمل نبيل شريف.

أخرج البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم وعباس ينقلان الحجارة، فقال عباس للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال: «إزاري، إزاري» فشد عليه إزاره(15).

إن رواحل الدعاة هم أولئك الذين يتقدمون الناس ويتصدرونهم، يقضون الحوائج، ويَصِلُون المقطوعين، ويغيثون الملهوفين، ويعيشون هموم الناس؛ وإلا فما حكمة التقدم والتصدر؟ وهل كان الدعاة، من الرسل والمصلحين وأتباعهم، في تلاحق الرسالات إلا قائمين بهمّ الناس، مشاركين يسهمون في رعاية مقاصد الجماعة المعتبرات مصالح ومنافع، أو دفع ما يلحق من مفاسد ومضار؟

فالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام لم يكونوا يتقوقعون في حصون يحرسهم أتباعهم، أو ينظرون من وراء جدر؛ بل كانوا يخرجون إلى الناس يعيشون بينهم ويأكلون طعامهم، ويمشون في أسواقهم، يتعرفون على أحوالهم ليعيشوا كما يعيشون، فيراهم الناس فيقتدون بهم، ويتأسون بحالهم، إنهم كانوا دعاة حق بصدق، روادًا في أقوامهم، يحبون الخير لشعوبهم، ومن هو كذلك لا يتهرب عن مشاكلهم، ويتوارى عند تلاطم الهموم، ويقول: أنتم وشأنكم، وإنما يقدم نفسه وعقله، يتبنى هموم قومه، يذلل ويدفع ويزيل، وكذلك كانوا..

ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كان أول المسلمين قيامًا على أمر الناس، ومشاركة لهم في همومهم، يخفف عنهم وطأة الاستضعاف المعيشي والاضطهاد الاجتماعي، ويزيل فيهم الظلم الطبقي، فيمشي في حاجة المحتاج ولو كان محتقرًا أو أَمَة مسلوبةَ الحرية، وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «إن كانت الأَمَة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت»(16)، فيقضي لها حاجتها، وإن كانت أمة.

ولربما ظن منزوع إلى السلبية في قضايا الناس أن يحاول تخصيص هذا التصرف النبوي بالإماء وصواحب الجنون، ليروى له في ذوات العقل والشرف من النساء وأصحاب الحاجة ذات السنة النبوية، ففي سنن أبي داود عن أنس رضي الله عنه قال: «جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال لها: «يا أم فلان، اجلسي في أي نواحي السكك شئت حتى أجلس إليك»، قال: فجلست، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إليها حتى قضت حاجتها»(17).

وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك وصفه ربه تعالى؛ هامًا بأمر الأمة، قائمًا على نفي الشر عنها، حريصًا على نفعهم وصلاحهم، يعنت لحال من يشقى وتضيق به السبل، يقول تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة:128].

وليحذر الدعاة من إهمال هذا الجانب من هموم الناس، إما استهوانًا لهذه الفئات، أو إسقاطًا للنظر تحت الأرجل دون أن يمد في الآفاق، ويتجاوز به الحاضر والغد القريب إلى ما بعد الغد من أزمان وأيام وأحوال وتقلبات، والأيام دول بين الناس، وفقد هذه الفئات العريضة من أبناء الأمة، للونٍ أو لانتماءٍ قبلي أو لوضعٍ مادي، وكشطها من رصيد الدعوة خسران مبين.

فالدعاة يقودون الأمة بما ورثوه عن النبي صلي الله عليه وسلم، وبالتالي عليهم أن يمارسوا دورهم بواقعية، والذي لا ينتهي عند الوقوف علي المنبر فقط، وإنما بالمشاركة الواقعية في المجتمع كما كان يفعل النبي مع جيرانه، ولا بد أن يعمل الداعية وسط الناس، والأمة ستتحرك عندما تجد الداعية يعمل وسطهم مثلما كان يفعل الرسول الكريم.

إن مهمة الداعية استثمار كل مكان وكل زمان للالتقاء بالناس، والاتصال بهم، والتحدث معهم على صعيد التوعية، والاتصال بالناس، والالتقاء بهم ضرورة لتلقي وفهم واقع الأمة وما يحيط بها من ظروف، وضرورة للتأثير فيهم لغرض التوعية وتغيير الذهنية، وبهاتين العمليتين، تلقي واقع الناس بعينين مفتوحتين والتأثير فيهم بصدر رحب وقلب كبير، تتحقق عملية التفاعل مع الأمة التي تؤكد عليها الدعوة الإسلامية للقيام بمهمة التغيير.

ومن هنا يجد الداعية في كل إنسان تقريبًا، مهما بلغ انحرافه العقيدي والسلوكي، فردًا يمكن تعديله، ويمكن إعداده لمرحلة أخرى من التوعية، ويجد في كل مكان من البيت والمقهى والصف، واللقاءات الطارئة والحفلات والندوات مدرسة يمكن استثمارها، والقيام فيها بمهمة التوعية على مستوى من المستويات، ومهمة فهم الأمة على مستوى من المستويات.

ومن هنا يتضح للداعية أنه لا يعدم في كل فرصة موضعًا للاستثمار لصالح التوعية الدعوية، ولا يعدم في كل مكان أو لقاء، سواء تم ذلك على مستوى فردي أو مستوى جماهيري، مدرسة للتوعية، ولا يعدم في كل نفس، مهما بلغت من الانحراف، موضعًا للاستجابة(18).

________________________________

(1) رواه البخاري ومسلم

(2) رواه البخاري (4750)، ومسلم (2770).

(3) رواه البخاري (3336)، ومسلم (2638).

(4) تفسير القرآن، للسمعاني (الأنفال:63).

(5) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (الأنفال:63).

(6) في ظلال القرآن، سيد قطب (الأنفال:55-75).

(7) رواه أبو داود (3527).

(8) المعجم الكبير للطبراني (6150).

(9) السيرة النبوية، لابن هشام (4/30-31).

(10) رواه مسلم (18).

(11) شرح النووي على صحيح مسلم (2/36).

(12) مخالطة الناس والصبر على أذاهم، ملتقى أهل الحديث.

(13) التنافر والتجاذب في العلاقات الشخصية، للشيخ: محمد المنجد.

(14) العلاقات في الدعوة والتقييم الذاتي عند الدعاة، ثقافة الدعوة الإسلامية.

(15) رواه البخاري (3829)، ومسلم (340).

(16) رواه البخاري (6072).

(17) رواه أبو داود (4818).

(18) الوعي التغييري في الحياة الاجتماعية.

اخر المواضيع المضافة

اسمح لروحك بالتحليق

عدد الزيارات:37

التاريخ : 12-12-2018

سلوكيات راقية نبوية

عدد الزيارات:47

التاريخ : 04-12-2018

حتى أكون أحب إليه

عدد الزيارات:51

التاريخ : 02-12-2018

الإيمان حين يتحرك

عدد الزيارات:68

التاريخ : 28-11-2018

يا طالب القرآن

عدد الزيارات:77

التاريخ : 27-11-2018

الداعية والعلاقات الشخصية

عدد الزيارات:55

التاريخ : 26-11-2018