لا يزال الإسلام كل يوم يبهر كل من يطالع نصوصه وتشريعاته من المؤمنين به أو غير المؤمنين، حيث يرون في انبهار وإكبار كيف اهتم الإسلام بالقضايا الكبرى من عقائد وتشريعات وعبادات، وصراع بين الحق والباطل، ثم يرون كيف خصص في إحكام جانب من اهتمامه لقضايا يعتبرها البعض جزئية أو هامشية، أو في أحسن الأحوال متروكة لعادات الناس وطباعهم واختلافاتهم.

فكما اهتم الإسلام مثلا بقضية التوحيد، وحث المؤمنين على الصلاة والزكاة، وكما اهتم بالجهاد في سبيل الله، وسماه: ذروة سنام الإسلام، فإنه أولى اهتماما كبيرا أيضا للذوق في حياة المسلم، وحثه على مراعاة ما يجعل حياته وحياة الآخرين جميلة، ولا ينفر الناس عنه.

وقد بين العلماء أن أصول الشريعة ثلاثة: ضروريات وحاجيات وتحسينيات، والذوق الذي نتحدث عنه يدخل في باب التحسينيات التي تضفي الجمال والراحة على حياة المسلم.

فإذا نظرت إلى آية الاستئذان في سورة النور رأيت عجبا، فالإسلام يتدخل هنا في أمر قد نراه يسيرا بسيطا، وهو: كيف يدخل عليك أولادك وخدمك حجرتك، وكيف ومتى يستأذن عليك أصدقاؤك وأهلك عند زيارتهم لك، فيقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ} (النور: 58).

«فالمؤمن إذا كان معه ملك يمين يستأذن عليهم، لأنه قد يكون في حالة لا يرضون أن يروا عليها، فيستأذن عليهم في هذه الأوقات، وهكذا أهل بيته يستأذن عليهم في الأوقات الثلاثة التي بينها الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة... فالخادم سواء كان مملوكا، أو كما نصت عليه الآية، أو غير مملوك من باب أولى، وهكذا من لم يبلغ الحلم من الصبيان يستأذن في هذه الأوقات الثلاثة، وغير الصبي من باب أولى، والكبير من باب أولى، والمقصود من هذا التحرز من كونه يرى أهل البيت على حالة غير مناسبة، فإذا استأذن استعدوا وحرصوا على أن يكونوا في حالة حسنة».

فهذا التشريع هو مراعاة وتنمية للذوق في نفوس المسلمين في أمر يتكرر يوميا، ويتحرج منه الكثيرون، بينما يفعله الآخرون دون إحساس بالذنب أو الخطأ؛ فجاء التشريع القرآني ليلفت الأنظار إلى أهمية مراعاة الذوق في الاستئذان على الناس في بيوتهم.

وفي مجال تناول الطعام نرى شائعا بين الناس أفعال وتصرفات، تثير اشمئزاز الجالسين، وتصرف نفوسهم عن مشاركة الآخرين هذا الطعام، وربما صرفته عن مصاحبة هذا الجليس، لعدم مراعاته الذوق في آداب تناول الطعام، ولو كان الذوق أمرا هينا لتركه الإسلام ولم يهتم به، ولكن لأهميته وجدنا هذا الحديث يوجه فيه النبي " صلى الله عليه وسلم" إلى بعض آداب وذوقيات تناول الطعام، فعن عمر بن أبي سلمة قال: «كنت غلاما في حجر رسول الله " صلى الله عليه وسلم" ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله " صلى الله عليه وسلم" : «يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك»، فما زالت تلك طعمتي بعد».

وموقف الرسول " صلى الله عليه وسلم" هنا ضبط سلوكيات الغلام وذوقه في تناول الطعام، وجعل سلوكه يتغير بعد ذلك إلى نهاية عمره، وهذا هو معنى تربية الإنسان على الذوق: أن يجعل الذوق سلوكا بديهيا في كافة جوانب حياته لا يتكلفه تكلفا.

وفي هذا الحديث إشارة إلى الاهتمام بالذوق في تناول الطعام عامة. ومن جوانب الذوق في تناول الطعام، والتي نوصي بتربية أبنائنا، وتوجيه شبابنا إليها: مضغ الطعام والفم مغلق، وعدم الحديث أثناء المضغ، وعدم مزاحمة الآخرين عند وجود أيديهم في الإناء.

وعندما يحثنا الإسلام على عيادة المريض، تجده يأمر بأن نفسح للمريض في الأمل؛ فعن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وسلم" : «إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك لا يرد شيئا، وهو يطيب نفس المريض».

وفي معاملة الكبير والصغير يروي سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله " صلى الله عليه وسلم" أتي بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟». فقال الغلام: والله يا رسول الله، لا أوثر بنصيبي منك أحدا، قال: فتلّه رسول الله " صلى الله عليه وسلم" في يده.

وفي هذا الحديث مراعاة للذوق من نواح عدة، حيث راعى رسول الله " صلى الله عليه وسلم" الترتيب بدءا من اليمين، ولكن هذا الترتيب كان يوجب إعطاء الغلام الصغير أولا، بينما يوجد من هم أكبر منه سنا، فاستأذنه رسول الله " صلى الله عليه وسلم" ؛ فلما وجد من الغلام إصرارا على أن ينال شرف وكرامة أن يشرب خلفه " صلى الله عليه وسلم" منحه النبي " صلى الله عليه وسلم" الإناء ليشرب منه.

هذه الأمثلة التي سقناها وغيرها الكثير، تدل دلالة واضحة على أهمية الذوق من المنظور الإسلامي، فالحياة ليست أياما تنقضي على أية حال، وهي كذلك ليست مجرد أساسيات وضروريات نحتاجها، لنظل على قيد الحياة بأي شكل من الأشكال، وإنما لابد من تجميلها بالذوق والمعاملة الراقية التي تبهج المسلم، وتجعل حياته جميلة سعيدة هو ومن حوله.

ـــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

بائع الوهم

عدد الزيارات:26

التاريخ : 21-03-2019

الشكر القلبي

عدد الزيارات:26

التاريخ : 21-03-2019

أفلا شققْتَ عَنْ قلبه ..؟

عدد الزيارات:25

التاريخ : 21-03-2019

اختبر علمك

عدد الزيارات:37

التاريخ : 19-03-2019

كي تصبح أباً عظيماً !!

عدد الزيارات:53

التاريخ : 17-03-2019

ثق بربك لا بنفسك

عدد الزيارات:45

التاريخ : 17-03-2019