أمين الدميري

إن الإسلام يدْعونا إلى المثالية ويحثنا عليها، لكنه يعترف بالواقعية ويراعيها في كل شيء من أوامره ونواهيه.

معنى الواقعية لغةً: "وقع: سقط، وقع الحق: ثبَت، وقع الكلام في نفسه: أثَّر فيها"[1].

والواقعية: هي معرفةُ حالِ المَدْعوِّين، وظروفِ المرحلة، وبيئةِ الدعوة؛ وذلك لاختيارِ المنهج المناسب، والأسلوب الملائم، وتحديد الأولويات.

فالمراد بالواقعية: مراعاة واقع الحياة، من حيث إنها معبَر للآخرة، ومزرعة لها؛ فالمرء يزرع أو يبذر هنا؛ ليحصد ويجني هناك، كذلك من حيث إن هذه الحياة حافلة بالخير والشر؛ ولهذا كانت الطبيعة المزدوجة للإنسان، فهو مادة وروح، وقد يرتقي هذا الإنسان إلى أسمى درجات المثالية، وقد يهبِط إلى أدنى مستوى من الشر وسوء الخُلق، قال تعالى: ﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 8 - 10]، وقد راعى الإسلام هذه الطبيعة، كما راعى قدرات الإنسان، وإمكاناته النفسية والمادية، فلم يفرِض عليه من التكليفات ما لا يُطِيق، قال تعالى: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286].

وواقعية الإسلام تتجلى في الأمور الآتية:

1- واقعية العقيدة:

فهي عقيدة التوحيد؛ لأن الكون لا يحكمه ولا يدبره اثنان أو ثلاثة، وكذلك يستحيل أن يكون لله ولد؛ لأن الولد إما أن يكون بجوار أبيه، وإما أن يرثه بعد وفاته، وذلك مستحيل على الله عز وجل، تعالى الله عما يقول اليهود والنصارى علوًّا كبيرًا؛ قال تعالى: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [المؤمنون: 91].

ومن ناحية أخرى، هل يعبد الإنسان إلهًا واحدًا، ويتلقى منه الأوامر والتكليفات، أم يعبد - أي: يطيع ويخضع - اثنينِ؛ هذا يأمره، والآخر ينهاه؟! ماذا يفعل؟

إنها واقعية العقيدة، قال تعالى: ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ﴾ [الزمر: 29، 30]، الحمد الله، الحمد الله على وحدانيته وألوهيته وتفرده وصمديته وربوبيته.

2- واقعية العبادات:

لقد كلَّف الإسلام المسلمَ بعبادات، من شأنِها أن تُزكِّي نفسه، وتُرقِّي روحه، وتُهذِّب أخلاقه، فثمرة هذه العبادات هي تقوى الله عز وجل، كما أن هذه العبادات في حدود طاقة الإنسان وما يتحمَّل، وقد راعى الإسلام حالاتِ المسلم المختلفةَ من السفر والمرض، فشُرِعت الرخص؛ كالفطر للمسافر في رمضان، وكالقصر في الصلاة، يقول صاحب كتاب أصول الدعوة: (وإنما تظهر واقعية الإسلام في إيجاد المخارج المشروعة للمسلم في أوقات الشدة والضيق، وعدم إلزامه بما كان لازمًا له أو واجبًا عليه، أو محرَّمًا في الأوقات العادية؛ فالضرورات تبيح المحظورات...)[2].

وعلى حسب طبيعة المَلَل (بفتح الميم) في الإنسان، فقد نوَّع في العبادات، (فنوعها ولونها، بين عبادات بدنية كالصلاة والصيام، وأخرى مالية كالزكاة والصدقات، وثالثة جامعة بينهما كالحج والعمرة، وجعل بعضها يوميًّا كالصلاة، وبعضها سنويًّا أو موسميًّا؛ كالصيام والزكاة، وبعضها مرة في العمر كالحج..)[3].

3- واقعية التشريع:

وهذه يتجلَّى فيها التدرج، فكان التدرج في التشريعات مراعاةً لأحوال الناس، والنفس، والبيئة، والمعتقدات القديمة، والعادات الجاهلية التي كانت متأصِّلة وراسخة، وقد استطاع الإسلام أن يُخرِج الناس من ظلمات الكفر والجهل والانحطاط، إلى نور الإيمان والتوحيد.

وفي مجال التحليل والتحريم نجد أن الإسلام لم يُحرِّم شيئًا يحتاج إليه الناس في واقع حياتِهم، كما منع عنه وحرَّم ما يضر الفردَ والمجتمع، وقد راعى في الإنسان غرائزَه الكائنة والكامنة، فغريزة الجنس وحب النساء تعامَل معها بأن أباح له الزواج والتعدُّد، وغريزة حبِّ المال، فقد أعطاه حرية التملُّك مع مراعاة حق الفقراء، وفي مجال الأسرة أباح الطلاق كحلٍّ لنزاع مزمن، وهكذا.

هذا، ومراعاة سنة التدرُّج في فرض العبادات وفي تحريم المحرمات (كالخمر مثلاً) من واقعية الإسلام[4]، فلم يأتِ ذلك دفعة واحدة، (فليس من الحكمة فطامُ الناس عنها بأمرٍ مباشر يصدر لهم؛ إنما الحكمة إعدادهم نفسيًّا وذهنيًّا لتقبُّلها، وأخذهم بقانون التدرج في تحريمها، حتى إذا جاء الأمر الحاسم، كانوا سِراعًا إلى تنفيذه، قائلين: سمعنا وأطعنا)[5].

ثم يقول: (وهذه السنة الإلهية في رعاية التدرج، ينبغي أن تتبع في سياسة الناس، وعندما يراد تطبيق نظام الإسلام في الحياة، واستئناف حياة إسلامية متكاملة، فإذا أردنا أن نقيم "مجتمعًا إسلاميًّا حقيقيًّا"، فلا نتوهم أن ذلك يتحقق بجرة قلم أو بقرار يصدر من ملك أو رئيس أو مجلس قيادة أو برلمان؛ إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج، أعني بالإعداد والتهيئة الفكرية والنفسية والأخلاقية والاجتماعية، وهو نفس المنهج الذى سلكه النبي صلى الله عليه وسلم لتغيير الحياة الجاهلية إلى حياة إسلامية)[6].

فقه الواقع:

يقول الشيخ ناصر الدين الألباني في رسالة "فقه الواقع":

(على أنه ينبغي على مَن يتولَّون توجيه الأمة، ووضع الأجوبة لحل مشاكلهم، أن يكونوا عالِمين وعارفين بواقعهم؛ لذلك كان من مشهور كلامهم: "الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره"، ولا يتحقَّق ذلك إلا بمعرفة (الواقع) المحيط بالمسألة المراد بحثها، وهذا من قواعد الفتيا بخاصة، وأصول العلم بعامة)[7].

ففقه الواقع (ويقال: فقه الحال)، هو الوقوف على ما يهمُّ المسلمين مما يتعلق بشؤونهم، أو كيد أعدائهم لتحذيرهم، والنهوض بهم واقعيًّا لا كلامًا نظريًّا.

كذلك مما يتعين العلم به الوقوف على الأساليب الحديثة لمواجهة الإسلام؛ كالغزو العلماني، ومحاولات فرض النمط الغربي في الحياة، ومحاولة صبغ المجتمع بصبغة غير إسلامية ،وغير ذلك من محاولات تنصير المسلمين وإبعادهم عن دينهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] والواقعية "في الفلسفة": مذهب يقدم الأعيان الخارجية على المدركات الذهنية.

والواقعية "في الأدب": مذهب يعتمد على الوقائع، ويُعنَى بتصوير أحوال المجتمع على ما هو عليه - المعجم الوجيز - مجمع اللغة العربية ص 678 - طبعة وزارة التربية والتعليم.

[2] أصول الدعوة؛ د. عبدالكريم زيدان ص76.

[3] الخصائص العامة للإسلام؛ مكتبة وهبة / طبعة 5/1999م ص 151.

[4] انظر: المرجع السابق ص 163.

[5] المرجع السابق ص 167.

[6] المرجع السابق ص 167.

[7] فقه الواقع، دار الجلالين للنشر والتوزيع، الرياض، 1992م.

اخر المواضيع المضافة

بائع الوهم

عدد الزيارات:26

التاريخ : 21-03-2019

الشكر القلبي

عدد الزيارات:26

التاريخ : 21-03-2019

أفلا شققْتَ عَنْ قلبه ..؟

عدد الزيارات:25

التاريخ : 21-03-2019

اختبر علمك

عدد الزيارات:37

التاريخ : 19-03-2019

كي تصبح أباً عظيماً !!

عدد الزيارات:53

التاريخ : 17-03-2019

ثق بربك لا بنفسك

عدد الزيارات:45

التاريخ : 17-03-2019