التوكل الصادق على الله تعالى والثقة به، واليقين بموعوده جماع الإيمان، وباب السعادة ورضا الرحمن، إنها خصال عظيمة مترابطة تدل على كمال الإيمان وحسن الإسلام، وتجلب للعبد محبة الله تعالى ومعونته ونصره وتأييده، تحفظ العبد من الشيطان ونزغاته وأعوانه، وتورثه راحة البال واستقرار الحال.

بالتوكل تمام المعونة، من الله تعالى في سعة الرزق، وتحقيق الرضا وتكفير الخطأ ورفعة الدرجات العلا، وهي من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب للمسلم، ويندفع بها كل مكروه عنه؛ فإن الله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملاً، (ومن يتوكل على فهو حسبه).

التوكل على الله تعالى والثقة واليقين به سبحانه، منزلة من أوسع المنازل في الإسلام وأجمعها؛ فإن الدين توكل على الله واستعانة، وثقة به سبحانه ويقين، وعبادة له عز شأنه وإنابة، والتوكل على الله والثقة به في حياة المسلم هو عمل وأمل، مع هدوء قلب وطمأنينة نفس واعتقاد جازم بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لن يصيب المرء إلا ما قدره الله عليه، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، وأن ما وعد الله عباده من الخير والرزق، والتأييد والنصر والتمكين في الأرض، متحقق لا محالة متى صدق العبد في إيمانه وطاعته، وحسن توكله على الله وثقته ويقينه به، قال ابن القيم رحمه الله: (والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد مالا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم).

الثقة بالله تعالى هي سواد عين التوكل عليه سبحانه، ونقطة دائرة التفويض إليه واليقين به؛ روى عبدالله بن مسعود رضي الله عنه تعالى، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل)، ويقول عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: (يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وان اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف).

كم يحتاج المسلم إلى صدق التوكل على الله في حياته، وحسن الثقة به في مطلوبه وموعوده، حتى يكون ذلك سجية له في أفعاله وأقواله، وخُلُقاً لا ينفك عنه أبداً في سيره إلى الله والدَّار والآخرة؟، ولكن واقع الكثير من الناس يخالف ذلك ويناقضه؛ يدَّعون التوكل على الله سبحانه، ويزعمون الثقة به؛ (فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ)؛ وإذا أُصيب أحدهم بمصيبة في ماله أو أهله أو نفسه جزع وتبرَّم، واعترض على قضاء الله وتسخَّط؛ (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)، وإن مما يعين المرء المسلم على ترسيخ صفة التوكل على الله والثقة به في حياته: الإيمان بنصوص القرآن والسنَّة الثابتة والتصديق بما تحمله من بشارات كريمة، ووعود عظيمة للمتوكلين على الله، الواثقين بما وعد به عباده الصالحين، الموقنين بفضله ونصره ولقائه سبحانه وما أعدَّه للمتقين المؤمنين من عباده، ثم النظر في أحوال المتوكلين على الله الواثقين به سبحانه من أنبيائه ورسله وصفوته من عباده الصالحين، والتأسي بأحوالهم، وما سطَّروه في صفحات التأريخ من مواقف رائعة في التوكل على الله والثقة واليقين به سبحانه وتعالى، مما يزيد المسلم يقيناً إلى يقينه، ويمنحه دروساً في التوكل والثقة واليقين بالله لا تزعزعها الخطوب، ولا تؤثر فيها عوارض الحياة وصروف الدهر، وسهام الأعداء.

إن عز المسلم الحقيقي، هو استغناؤه عمَّا في أيدي الناس، والبعد عن سؤالهم، وعلى هذا بايع الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بايعوه على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وعلى ألا يسألوا الناس شيئاً، فكان سوط أحدهم يسقط على الأرض من على رحله، فلا يسأل أحداً أن يناوله إياه، إن التوكل الصادق على الله فو قطع اليأس من الناس بصدق الالتجاء إلى الله، والاعتقاد الجازم أن شيئاً لن يكون إلا بأمره وتقديره، ويقول التابعي الجليل سلمة بن دينار رحمه الله: (خير مالي ثقتي بالله تعالى، وإياسي مما في أيدي الناس)، وكثير من الناس يدَّعون التوكل على الله تعالى، لكن دعواهم باطلة؛ لأنها خالية من مقتضيات التوكل؛ من رضا وطمأنينة، قال بشر الحافي رحمه الله: يقول احدهم توكلت على الله، يكذب على الله ولو توكل على الله لرضي بما يفعله، وقد ذكر النبي "انه يدخل الجنة من امته سبعون ألفا قدامهم، لا حساب عليهم ولا عذاب، ثم قال: هم الذين لا يكتوون، ولا يسرقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون".

وإذا خرج المسلم من بيته فقال: "بسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان"، ولقد ضرب رسولنا- ‏صلى الله عليه وسلم- اروع الامثلة وأعلى النماذج في تحقيق التوكل على الله عز وجل على أكمل الوجوه وأحسنه؛ فكان يلبس لامة الحرب، ويمشي في الاسواق في طلب الرزق، لا يتطير من شيء ولا يتشاءم بشيء، وكان يحب الفأل، وإذا غزا في سبيل الله اعد العدة، وأخذ الحذر والحيطة، ثم قال: «اللهم انت عضدي ونصيري، بك احول وبك اصول، وبك اقاتل» وكان من دعائه الدائم قوله: «اللهم بك اسلمت، وعليك توكلت، وبك امنت، واليك انبت، وبك خاصمت، واليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما اخرت، وما اسررت وما اعلنت، انت المقدم وانت المؤخر لا اله الا انت، أو لا اله غيرك»، وفي هجرته ‏صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة اعظم الدروس العملية البيانية لحقيقة التوكل على الله سبحانه، مع بذل الأسباب المشروعة؛ فلقد اعد للأمر عدته، وبذل طاقته وكتم الخبر، واتخذ كل الوسائل المعنية له على تحقيق مقصده، فأمر أبا بكر الصديق بالاستعداد والتخطيط، وأمر عليا بأن يبيت في فراشه تلك الليلة وخرج هو وابوبكر سرا، وأمر أسماء بنت ابي بكر ان تحضر لهما الزاد في الغار، وأخاها ان يوافيهما بأخبار المشركين، وراعي غنم ابي بكر ان يريح عليهما الغنم مساء ليشربا من ألبانها، واستأجر دليلا ماهرا بالطريق إلى المدينة، واختبأ في الغار ثلاثا، ومضى في هجرته هو وصاحبه داعيا رب العالمين سبحانه التوفيق والحماية، يطارده المشركون ويصلون إلى فم الغار، فيقول أبوبكر: يا رسول الله لو نظر احدهم إلى قدميه لأبصرنا، فيقول له صلى الله عليه وسلم في ثقة عجيبه بالله، وإيمان فريد بوعده وتأييده، وتوكل عليه: «ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا».

(فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، وحماه الله من الأعداء، ونصره عليهم، ورد كيدهم ومكرهم عليهم، وأوصله المدينة غانما سالما، إن التوكل على الله عز وجل، مع بذل الأسباب المشروعة صفة الأنبياء والمرسلين، الذين كانوا مثلا أعلى للبشرية جمعاء في صدق التوكل على الله عز وجل، والاستعانة به، والإنابة إليه، فها هو نوح وهود وصالح- عليهم السلام- لما سخر منهم أقوامهم، وآذوهم، وخالفوا أمرهم، قالوا لهم بلسان واحد: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)، فاتقوا الله تعالى أيها المسلمون واشكروه، واعلموا رحمكم الله أن التوكل الحقيقي على الله عز وجل، مع بذل الأسباب، وتفويض الأمور إلى الله سبحانه دون غيره، واعتقاد أنه لا يضيع أجر العاملين، وأنه مالك النفع والضر دون سواه، من الأمور المهمة التي يجب على، المسلمين جميعا الإيمان بها، واعتقادها، وتطبيقها واقع ملموس في حياتهم.

‏وإن فيها من صفات القوة والعزة والثقة بالله تعالى، وتحصيل المطلوب، ودفع المكروه ما لا يخفى، فمن توكل على الله بصدق كفاه، وأزال همه وغمه وهداه، ورزقه من حيث لا يحتسب، وبدد أحزانه وأشجانه، وصرف عنه كيد الكائدين، وشر الحاسدين، (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤمِنونَ)، فيا أيها المسلم ثق بالله وارض به، وقابل قوافل القضاء وصروف الدهر، وسهام الأعداء بعزم التوكل على الله تعالى واليقين والثقة به، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن اليسر مع العسر، وأن الفرج مع الكرب، وأن العافية مع البلاء، وأن الرزق والنصر من الله، ‏وأنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، (فاصبر إن العاقبة للمتقين)، واعلم أن الدين دين الله تعالى الذي قال عن نفسه: (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) وقال: (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، فتق بالله تعالى، واعلم: (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

أنت رسول رسول الله (صلى الله…

عدد الزيارات:3

التاريخ : 18-02-2019

البناء أولاً والتحصين ثانياً

عدد الزيارات:5

التاريخ : 17-02-2019

الحب

عدد الزيارات:38

التاريخ : 16-02-2019

الحب في الإسلام

عدد الزيارات:24

التاريخ : 16-02-2019

أيعمى الناظرون عن الضياء؟

عدد الزيارات:48

التاريخ : 13-02-2019

جبر الخواطر

عدد الزيارات:50

التاريخ : 12-02-2019