إن التوحيدَ الخالص هو دعوة إلى القيم الإنسانية، تلك القيم التي تستخلص من صفات الله جل شأنه وهي: قيم العلم، والحياة، والخلق والإبداع، والغنى في الذات وبالنفس، والقدرة والطاقة على العمل والفعل، والرحمة في موضوع، والشدة حين يدعو الأمر إليها، والعون على المساعدة، والترفع عن الدنايا، والملك والسيادة على النفس وقبل الغير إلى غير ذلك من الصفات الكريمة التي يتصف بها المخلصون لدينهم.

ذلك لأن كل حركة قلبية كالإخلاص لا بد أن يظهر لها أثر على الجوارح لأن الإيمان الخالص يتحول إلى قوة بانية، وطاقة محركة مشرقة معطاءة، لا تتراخى بصاحبها، ولا تتقاعس بهمة الكبار، بل تنطلق باحثة نحو الفضائل والمكرمات ثائرة على الفساد لتقتلعه، وعلى الظلم فترده، وعلى المعروف فتأمر به، وعلى المنكر فتنهي عنه، فيصبح الإيمان الخالص سلاح عزة وقوة.

من دلائل إخلاص المسلم بوجه عام

لما كان الإيمان وهو حركة قلبية لا بد له من صورة عملية واقعية، يتجلى فيها، ليثبت وجوده، ويترجم عن حقيقته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل".

ومن ثم يرد مثل هذا التعقيب في القرآن لتقرير هذا المعنى الذي يقرره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتعريف الإيمان وتحديده وإخراجه من أن يكون كلمة تقال باللسان، أو تمنيًا لا واقعية له في عالم العمل والواقع.

ولكي يحقق المسلم الإخلاص في قلبه ويترجمه سلوكًا في حياته يجب أن يضع نصب عينيه أمورًا بينها لنا الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كمعالم على طريق المخلصين يعرفون بها بسيماهم وسلوكهم يراها الناس حياة فيهم فيطمئنون لظاهرهم ويتولى المولى سبحانه وتعالى سرائرهم والعبرة بالخواتيم.

صدق النية والإرادة ومراقبة الله تعالى عند كل عمل

وهو ألا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى فإن مازجه شيء من حظوظ النفس بطل الصدق. قال بعض السلف: إني لأستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي وشربي ودخولي الخلاء؛ ولذلك كان من دعاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليعلمنا الاعتصام من ملوثات الرياء "اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئًا أعلمه وأستغفرك لما لا أعلمه".

فالمخلصون بحق يتحكَّمون في عاداتهم، ويستعلون على شهواتهم، ولا تستعبدهم ملذاتهم، ولا يستلذهم هواهم بصدق النية ومراقبة الله تعالى وإتباع ذلك العمل الصالح. لأن الله لا يقبل عملاً إلا بركنين أساسيين:

1- تصحيح النية وتحقيق الإخلاص.

2- موافقة السنة والشرع.

وبالركن الأول يتحقق صحة الباطن، وبالثاني يتحقق صحة الظاهر، وقد جاء في الركن الأول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات" فهذا هو ميزان الباطن.

وجاء في الركن الثاني قوله صلى الله عليه وسلم "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".

وقد جمع المولى سبحانه وتعالى الركنين في آية واحدة فقال: ﴿مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.

إن الداعي إلى الله يتعرض في عمله لكثير من المواقف التي لو لم يراقب الله فيها لحبط عمله والعياذ بالله. فهو محدث لبق، فصيح لسن، عالم مقنع. مؤثر جذاب. محبوب محب. شفوق خدوم، خلوق إلى آخر ما يجب أن يتوفر فيه من صفات كريمة، وكل تلك الصفات قد تجره إلى الإعجاب بنفسه، أو الرغبة أن يعجب الناس به. وهذا وذاك طارد للإخلاص، موقع في الرياء، أو النفاق فليكن من ذلك على حذر بمراقبة الله تعالى ليكسر العجب في كل أمر يسلكه وذلك بالآتي:

1- أن يرى التوفيق من الله تعالى.

2- أن ينظر إلى النعماء التي أنعم الله بها عليه، فإذا نظر في نعمائه اشتغل أيضًا بالشكر عليها واستقل عمله ولا يعجب به.

3- أن يخاف أن لا يتقبل منه.

4- أن ينظر إلى ذنوبه التي أذنب قبل ذلك، فإذا خاف أن ترجح سيئاته على حسناته فقد قل عجبه، وكيف يعجب المرء بعله ولا يدرى ماذا يخرج من كتابه يوم القيامة، إنما يتبين عجبه وسروره بعد قراءة الكتاب.

استصحاب معية الله والتوكل عليه

المسلم الصادق يلجأ إلى ربه في كل أمر من الأمور ويشعر بمعيته.

فإذا مسه الضر قال: "رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين".

وإذا اشتد ظلام لياليه: "نادى في الظلمات أن لا اله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين".

وإذا اشتد المكر والكيد له قال: "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون".

وإذا أحس بالوحدة والغربة قال: "رب لا تزرني فردٍا وأنت خير الوارثين".

وإذا جمع الناس له قال: "حسبنا الله ونعم الوكيل".

وإذا أعيته الحيل قال: "إن معي ربي سيهدين".

وإذا أرادوا إفقاره قال: "رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير"

وإذا ساوموه على دعوته قال: "آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير".

وهكذا يستشعر المسلم معية الله في كل حركة وسكنة فينيب إليه ويسلم له قياده: إذ إن المعية تتحقق بالإنابة إليه وهي تتضمن: محبته سبحانه، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عمن سواه ولفظة "الإنابة" التي تتحقق بها معية الله، تحمل معنى الإسراع والتقدم. فالمنيب إليه المسرع لمرضاته. والراجع إليه في كل وقت، المتقدم في محرابه للوفاء بالعهد، المستمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها.

إن السعادة الدنيوية والأخروية مدارها على هذا الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله الذي يعصم من الضلالة، فلا يقع في بدعة أو أي آفة من آفات العمل، والاعتصام به يعصم من الهلكة بالتوكل عليه، والاحتماء به، ثقة فيه سبحانه، واطمئنانًا لأمره دون حرج في النفس كما قال سبحانه ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.

ففي هذه الآية ثلاث مراتب: التحكم- وسعة الصدر بانتفاء الحرج- والتسليم.

وهذه هي الاستقامة التي لا تتحقق إلا في معية الله سبحانه وتعالي في الأمور كلها ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾.. فيشعر المسلم أن الخًلق فقراء إلى الله، ضُعفاء بدونه لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا ولا حياة ولا موتًا ولا نشورًا ترى ذلك في موقف موسى عليه السلام يوم أن قال له أتباعه ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾. حين رأوا البحر أمامهم والعدو من خلفهم. لكن موسى عليه السلام أجاب بيقين: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِين﴾. ِ

وقالها رسولنا صلى الله عليه وسلم حين خشي عليه أبو بكر الصديق من أعدائه فقال وهو في الغار: لو نظر أحدهم تحت قدمه لرآنا؟ قال صلى الله عليه وسلم ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وتتحقق المعية بما أخبرنا به ربنا في قوله ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾.

إنه شعور المؤمن بالافتقار إلى الله، والشعور به شعورًا يملك عليه حياته وذلك يحتاج من العبد المخلص:

علم يسوسه، وورع يحجزه، ويقين يحمله، وذكر يؤنسه.

فتتحقق المعية، فإذا تحققت أنزل الله السكينة على عبده وأيده بجنود لم تروها.

إنها سكينة تطمئن بها قلوبهم، وتسكن إليها جوارحهم وتنطق ألسنتهم بالصواب والحكمة، وتحول بينهم وبين قول الخطأ والفحش، واللغو، والهجر، وكل باطل يقول ابن عباس رضي الله عنهما كنا نتحدث إن السكينة تنطق على لسان عمر وقلبه.

معية الله في الدعاء:

إن المؤمن حين تضيق به الأرض بما رحبت ويظن أنه أحيط به يجأر بالدعاء إلى الله يطلب معيته ويرجو جواره ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ لأن الدعاء استشعار بالضعف الإنساني، واعتراف بالإله القوى، فيناديه العبد الضعيف كي يكون معه يحميه ويحفظه ويرعاه ويكلأه بعنايته، فيتحقق بذلك أسمى أنواع العبودية. إذ الدعاء مخ العبادة، وسمة المخلصين، وسلوك الصادقين، بل والأنبياء والمرسلين المبعوثين رحمة للعالمين. فهم يلجأون إليه في صغير الأمر وكبيره، يقول رسولنا الكريم صلوات الله عليه وسلم "القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل".

ومعية الله تتطلب التوكل عليه، فالمسلم إذا استشعر هذه المعية كان لزامًا عليه أن يتوكل على الله فهو نعم المولى ونعم النصير.

التوكل على الله:

والتوكل على الله شعور بهيمنة الله على الحياة، وبأن حركتها وسكنتها محكومة بحوله وقوته لا يمكن أن تبعد عنه.

واستقرار هذا الشعور في القلب يجعل صلة الإنسان بربه عميقة، وركونه إليه باديًا، لأن التوكل دلالة علم الله وصفاته وما ينبغي له ولذلك فإن المتوكل بهذه اليقظة الفكرية والنفسية أهل لأن يظفر برعاية الله وتوفيقه ومحبته ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾.

وأصحاب الرسالات أحق الناس بهذا التوكل لأنهم في حاجة إلى ذكر الله والاطمئنان إليه، والإيمان بغيبه، كل ذلك مصدر أُنس وقوة لهم، لأنهم يتعرضون لمخاوف مزعجة، ولا يثبتون فيه على الروع والغبن إلا لأملهم في الله، واستنادهم إليه، وإلا بالتوكل الذي ينير أمامهم ظلمات الحاضر ويجرئهم على مواجهة الجبروت بعزم، وهم يقولون ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾.

ذلك لأن القوى الشريرة التي يواجهها حملت الدعوات ليست عدوًا سهلاً. ومكرهم لتزول منه الجبال، فموسى وهارون عليهما السلام عندما أُمرا بالذهاب إلى فرعون لنصحه ودعوته: ﴿قَالا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾ فصحبة الله والتوكل عليه هو المؤنس في هذه الوحشة. وهو المشجع في هذه الرهبة. وذاك معنى التوكل في تلك المواقف.

وهكذا يكون التوكل على الله بحسن الصلة به، فإن حُسن الصلة بالله يُعطي المؤمنين قوةً معنويةً لا يُقدرها إلا الذين يعيشون في هذا المجال الرباني الكريم، إن الله قوي لا يغلبه غالب، عزيز لا تقهره قوة، وحسن الصلة به يُدخل المؤمنين في دائرة العزة و الغلبة، فيشملهم الله بعنايته، ويكلؤهم برعايته، فلا تتغلب عليهم قوة، ولا ينتصر عليهم عدو ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: من الآية ).

فهو السلاح الروحي الذي يجعل من الضعف قوة، ومن القلة كثرة، فمهما كان طغيان الباطل ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)﴾ (النمل).

وفي ذكر الله أمره بالتوكل مع إخباره بأنه على الحق دلالة على أن الدين مجموع في هذين الأمرين:

1- أن يكون العبد على حق في قوله وعمله، واعتقاده ونيته.

2- أن يكون متوكلاً على الله واثقًا به.

ففي صحيح البخاري عن ابن عباس- رضي الله عنه- قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه حين قيل لهم ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: من الآية 173).

وفي الترمذي عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- مرفوعًا: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا".

وللتوكل ثلاث علل تؤثر في كمال التوحيد الخالص:

إحداها: أن يترك ما أُمر به من أسباب، استغناء بالتوكل عنها.

الثانية: أن يتوكل في حظوظه وشهواته دون حظوظ ربه.

الثالثة: أن يرى توكله منَّة.

الصدق مع الله قولاً وعملاً

الصدق مع الله شكر في السراء وصبر عند البلاء وتوبة عند الذنوب؛ لأن الكمال الإنساني في نظر الإسلام يتم بصدق الحديث، وتحرى الحق، وتنزيه القلب عن أن يخطر به السوء، ولقد سُئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: أي الناس أفضل؟ قال: "كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا: صدوق السان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقى النقي لا أثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد".

فنقطة البدء في عمل المسلم: تطهير القلب واستقامة اللسان إلا أن الصدق يشتمل على الأعمال الظاهرة والباطنة على حدٍّ سواء.

ـــــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

خذ قسطا من الفرح كل يوم

عدد الزيارات:90

التاريخ : 02-06-2019

المرء مع من أحب

عدد الزيارات:88

التاريخ : 29-05-2019

يستمعون القرآن

عدد الزيارات:91

التاريخ : 28-05-2019

سبيل الظفر

عدد الزيارات:77

التاريخ : 27-05-2019

بين سيرتين "موسى وعمر"

عدد الزيارات:105

التاريخ : 25-05-2019

العفوُ من شِيَم الكِرام

عدد الزيارات:113

التاريخ : 23-05-2019