إن مما يُزكّي المؤمن ويسمو بقدره عند العَفُوِّ القدير وعند الناس، أن يتخلّق بخُلق العفو والإحسان؛ وإن كان في مُجازاة السيّئة بمثلها رخصة وجواز، فإن العَفو المؤدّي إلى إصلاح ذات البين أجمل وأكمل لمن سَعد وفاز.

والله تعالى يقول: "وإن تَعْفُوا وتصْفحوا وتغْفِروا فإنّ الله غَفورٌ رحيمٌ" التغابن - 14 ويقول: "وأَنْ تعفوا أقْرَبُ للتَّقوى" البقرة - 237.

وحقيقة العفو أن يكون عند الاقتدار، وما قُرن شيء إلى شيء أَزْينَ من حِلم إلى علم، ومن عفو إلى مقدرة. ولقد قيل: أَوْلى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة! فالشَّهامة ليست في من كظم غيظاً وهو عاجز عن إنفاذه، ولكنها في من كظمه وهو قادر على أن يُنْفِذه، فيكون النّداء له ولأشباهه بالبشارة والكرامة يوم القيامة، فإن من عفا عند القُدرة عفا الله عنه يوم العُسرة!

تدفعك نفسك الأَمَّارة بالفتون إلى الظنون بأن الذي يتسامح ويعفو امرؤ ذليل مغبون، وأن من يتربص بالمسيئين ويقتصّ من البادئين هو السيّد الميمون! لأن العين بالعين، والسن بالسن، والبادئ أظلم!

فإن أجبتها الى ذلك فاعلم بأن الدنيا لن تُشايعك إلى ما تروم، وإن ساعدتك حيناً فمساعدتها لا تدوم. وإن الحق ليقول: الجزاء من جنس العمل، وإنما جزاء الإحسان الإحسان؛ (فما زاد الله عبداً بعفو إلا عزّاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله!) رواه مسلم. يقول الشاعر:

وما قَتلَ الأَحرار كالعفوِ عَنْهمُ ** ومن لك بالحُرِّ الذي يَحفْظ اليدا

إن في تاريخ الهُداة والمهتدين صوراً ومواقف لا تُنسى ولا تُبلى، فاجتهد على أن تتدبّرها، واعقد العزم على أن تكون ترجماناً لها: "لا تَثْريبَ عليكمُ اليومَ يَغْفِرُ اللهُ لكم وهو أَرْحَمُ الرَّاحمين" يوسف - ،92 يقولها نبي الله يوسف عليه السلام لمن حسدوه وظلموه وأبعدوه وألقوه في غَيابة الجبّ! "سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكم رَبي إنه هو الغَفورُ الرَّحيمُ" يوسف - ،98 يقولها يعقوب عليه السلام لمن فطروا قلبه، وجرحوا كبده، وابيضَّت عيناه من كيدهم وإيسائهم.

(اذهبوا فأنتم الطُّلقاء)، يُعطّر سِيَر التاريخ بقولها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يخاطب بها من أخرجوه وحاربوه وواجهوا دعوته إحدى وعشرين سنة!

ورُوي أن رجلاً وقف بين يدي هارون الرشيد ينتظر عقابه، فقال: يا أمير المؤمنين! أسألك بالذي أنت بين يديه أذلّ مني بين يديك، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي لَمَا عَفَوْتَ عني! فعفا عنه لمّا ذكّره بقدرة الله!

إذا قرأت تلك المآثر المجيدة رقّ قلبك، وفاضت عينك، وجاشت إليك نفسك، وبلغ منك الإعجاب مداه والإكبارُ ذراه، وفي أعماقك همس دفين يكاد يشقّ صدرك فيقول: يا ليتني كنت من أولئك الحلماء المحسنين!

ولكن إذا حطّت نفسك الرِّحال على وقائع الحياة عادت الى سابق الحال، فكأن ما طربت بقراءته منام جميل ليس له تأويل، وكأنك كالزَّيزفون الذي يُزْهر ولا يُثْمر، تَعِدُ ولا تُنْجز!

والأكثر تعساً وبؤساً من غادَره رداء الشباب وغزاه وافد المشيب، ولا يزال صعب المراس جامح الرأس، لم تزده الشيخوخة إلا تصلّباً وتعنّتاً ومقارعة للسوء بالسوء، وعهدُها أن تزيّن بالغها بالحلم والصبر والتجاوز عن المسيء.

ما أسعدَك لو ختمت عمرك القصير متسامحاً نقيّ القلب، في سلامة من الضمير كُسلاسَةِ الماء النَّحير!

إن الانتقام عدل، والتجاوز فَضْل، ونحن نُعيذ أنفسنا بالله من أن ترضى بأوْكَس النصيبين وأدنى المنزلتين!

إن العافين عن الناس لا تنقرض سُلالتهم، ولا تجتمع على الضلالة ذُريّاتهم، ولكنهم يتناقصون حتى يصيروا مثل لُماعَةِ الماء وشُعاعة الضياء!

فكن هيِّناً عفُوّاً مُحسناً، عسى الله تعالى أن يُهوِّن عليك الحساب، أو يُدخلك الجنة بغير حساب. ألا لا قطع الله نِياطَ قلب بالعفو والخير رهين!

اللهم إنك عفوٌّ تحب العفوَ فاعف عنا واجعلنا من العافين عن المخطئين!

ــــــــــــــــــــــ

اخر المواضيع المضافة

خذ قسطا من الفرح كل يوم

عدد الزيارات:99

التاريخ : 02-06-2019

المرء مع من أحب

عدد الزيارات:98

التاريخ : 29-05-2019

يستمعون القرآن

عدد الزيارات:99

التاريخ : 28-05-2019

سبيل الظفر

عدد الزيارات:81

التاريخ : 27-05-2019

بين سيرتين "موسى وعمر"

عدد الزيارات:111

التاريخ : 25-05-2019

العفوُ من شِيَم الكِرام

عدد الزيارات:118

التاريخ : 23-05-2019